الأمواج تتكسّرُ على الصّخرة

ويقولونْ “السّرُّ متّى خرجَ من بين اثنين شَاع”

لكنّي أعتقد أنّ السّرّ متى خرجَ من جوفِ صاحبهِ فقدَ السّريّةْ

إلّاها الفنون، وحدها، ربّما،

مهما تفشّتْ وشاعتْ يبقى سرّ إدهاشيّتها وسطْوتِها، حكراً على صاحبها، وإذ هو يحاول شرحه والبوح به، بخباياه، يبقى سرّه وحده، عصيّاً حتّى عليهْ

السّرّ منتج ومحمول فرديّ

يجب أن يظلَّ “ليس غيبيّاً مُتخيّلاً كفكرة الإله، ولا مفضوحاً كشمس”

إنما “لا أعرف سر ّ ما يجذبني إلى هذه الموسيقا إلى هذه اللوحة الكتابة إلخ “

هذا السّر متى اكتُشِفَ وأَدَ الدّهشة

صار غيرَ جذاباً

والدّهشة، هي المسْكَن الوحيد الذي قد يُدافع عن إمكانية تواجدٍ لما نسمّيه “المُطلق” فيه.

“أنا كل ما بشوفك كأني بشوفك لأول مرة حبيبي”

الفن حين يفضحُ السّر يخسر لذّتهُ، إدهاشيّته

يكفُّ عن كونهِ فنّاً

**

أن تحبَّ

أن تشعر بالحبّ، لا يكفي

عليكَ أن تكونَ قادراً على إيصالهِ للآخر/ ين

لا بِكثرة الغمْرِ

لأنّك على النبتةِ إذْ تُكثرِ الماءَ، تموتْ

ولا بالتمسّكِ بكلتا ذراعيكَ

لأنّك إذ تضمّ الطفل بقوّةٍ تخنِقهْ

ربّما بالرّذاذ والمداعبةْ

تُصدّره، وتراهُ يكبرُ ويبادلكَ الرذاذْ

**

ولا يزالُ سؤالُ الحرّية/الثورةِ

مفتوحاً لمختلفِ أنواع التّأويلاتْ

لأنّه سؤالُ متلازِمة الحرية/الثورة، باعتقادي، هو ليس سؤالاً جمعيّاً/ كميّاً يتعلّق بمن يطالب/ يؤمن، يضحّي/ يموت

بها / من أجلها

أكثر منه سؤالاً فرديّاً/ نوعيّاً، تطرحهُ كلّ ذاتٍ على ذاتها أولاً “كم شخصاً أعرف في حياتي، إبتداءً بي، يحمل أخلاقاً فرديّةً وممارسةً ذاتيةً مع الذات والعالم تختلف عن أية سلطةٍ، حكومةٍ، فردٍ ممن همْ موضوعُ وهدفُ الثورة”

غالباً الجواب سيكون “لا أحد”

ولكنّ ذلك لا شكّ لا يمنعُ بل يدفعُ أكثر للثورة الدائمة على الذّات والموضوع، طموحاً بذاك الحلم الذي ليس كما يصفه “المتعايشون” بأنه يوتوبيا

إنمّا هو أبسط المتطلبات التي نجدها عند أبسط الحيوانات التي تعيش حولنا

**

والفنُّ، أظنّ،

عن إن رأيتَ أمواجاً تتكسّر على الصخرةْ

ألّا تكونَ الصخرةَ ولا الأمواج، بل مشهدَ “الأمواج تتكسرُ على الصّخرة”

جماليةَ المشهدِ ككلٍّ، دونَ وقوفِ شفقةٍ على الأمواجِ، مُرفَقٍ بكراهيةِ الصخرةْ

أو فخرٍ واعتدادٍ بأن تكون كـــ “الصخرة”، مُقترنٍ باستهزاءٍ بالأمواجْ

أن ترى أن المشهد بحدِّ ذاتِه يُشعِر بالعُمق، بكينُونةٍ حسّيةٍ وبسمة، دونَ حاجةٍ مريضةٍ قلقةٍ للاصطفافِ مع قطيعٍ، انتصاراً لأحدِ طرفي المشهد مع قتلٍ تامٍّ للآخر (معنوياً كان أم مادياً)

وبالطبع لا ننكر هنا حالةَ الانتصار لأحدٍ حين يلتزمُ بتفهّمٍ ولا انتقاميّةٍ ذات دوافع نفيّيةٍ إباديّةٍ، إنّما فقط “عينٌ بعينٍ” مع استبدالِ “والبادئ أظلم” بــ “والخاتِم أرحَم أو أظلَم”

أقولُ دون إنكار الانتصارِ في حالاتٍ بشريّةٍ فقط، كالإباداتِ الجماعية أو التّصفياتِ العرقيّة

وليسَ الحربْ

لأنها الحربُ، أيُّ حربٍ، هي جيشين من الضحايا معاً أو القَتَلةِ معاً

و قياداتٍ سياسيةٍ عسكريةٍ اقتصاديةٍ سافلةٍ وقاتلةٍ لكِلا الجيشين.

أقصد من كلّ ذلك، أنْ على الفنّ حين ينظرُ حتّى للحرب يراها من منظورِ المشهد بذاتِه دون الدخول بمتاهات الأَعلام والانتماءاتِ

وجمالُ الحرب ليسَ ضَحاياها، قتْلاها، جياعها

الحرب لاشكّ مؤلمةْ

إنّما -كمثالٍ- الجماليّة بذاتها في مشهد حيٍّ مهدومٍ خاوٍ، مقارنةً بمشهدِ ناطحاتِ سحابٍ مثلاً

الخرابُ هنا يحملُ جماليّةً أكثرَ من العمران (هشاشتنا الحسّيّة الغير مدركةٍ أمام الأوابد والآثار)

لأنّه الخرابُ/الحربُ، يشبهنا يعبّر عنّا، عن طبيعتِنا،

ولا جمالَ حقيقيَّ، في رأيي، خارجَ الطبيعيّ، تحديداً حين يُسْرفُ في التّعبيرِ عن شذوذِ الخلايا الحيّة وتوقِها لأكبرِ تجلياتِ الطاقة: العنف

الانفجارات الكونيّة هي أقصى تجمّعاتٍ كائنةٍ للمادّة الحيّة

لا يمكنُ لها أن لا تصيرَ منجمَ عنفٍ لا قصديٍّ

الكون نشأَ بالعنف وإليهِ سينتهي

*

الفنّ لا يجبُ أن ينزلَ إلى الشوارع، إلى الجمهورْ

ولا أقولُ بالطبع أن يسكنَ في “برجٍ عاجيٍّ” وينحو تجاه الرمزيّة وما لفّ لفّها من مدارسْ

لكنّه الفنّ حين ينزل إلى الشارع إلى الجمهورْ

غالباً سيقدّم ما يرضي الشارع/ الجمهور

لا ما يحرّضُ فيهم ما لا يعرفونَه، أو بنحوٍ أدقّ ما لم يحسوّه قبلاً ورغم ذلك يدغدغُ قلوبهم في مناطق غريبة، ويغويهم للّحاق به

للصعودِ نحوه إلى الأعلى

للطّيرانْ

**

أن تَرى المرضَ، مرضَ “الكينونة/ أن نكونَ”

يمشي في الشّارع، مع كلّ وجهِ، كلّ التفاتةٍ، بسمةٍ، صرخةٍ، تصريحٍ، هزّةٍ، كلامٍ، فعلٍ إلخ إلخ.

تعرفُ في العمق ما نحنُ البشر

وتتيقّن، إذ لا ترى الحيوانات إلا في فِعلٍ عضويّ حتميّ للبقاء، أو مستكينينَ لا مبالين بشيءْ

تُوقنُ كم هم “كائنون”

وكم نحن بعد كلّ ما وصلنا إليه لا نزال نحاول أن نكونَ

أن نقتنعَ بأنّنا “كائنون”

ماذا فعلنا لأجل ذلك؟ الجواب فائضٌ عن الحاجة إذا ما نظرنا لتاريخنا.

**

الجوعُ، أيُّ جوعٍ، أهْولُ جوعٍ

في النهاية سيشبعُ، لابدّ يشبَعْ

حتّى لو أكلَ جسدكَ، جفّفكْ

النهم هو ما لا يشبعْ

داءُ البشر

يأكلُ كلَّ أبناءهِ، ولا يشبعْ

**

أن يخفقَ قلبكْ

– وحيثُ أنّ كلّ قلبٍ بالضّرورة نبّاض -، لا، لا أعني أنْ ينبضَ

بل أن يكونَ خفّاقاً كلَّ نبضةْ

أن تسمعهُ “يدكّ” عظامَ صدركَ دون هوادةْ

أن دائماً يكونَ كمثلِ قلبِ النّمر حين يجري ليصطادَ، غيرَ أنّه النمر يجري كل بضعةٍ أيامٍ وإذ يشبعُ يضّجع ينصتُ لبلادةِ الطبيعة، ينسى أنّه ينبضُ في ما يمكن أن يسمّى سعادةْ

أن يكونَ قلبكَ دائماً موشكاً على التوقّف ليرتاحَ بلذّة الــ”غير عارفٍ” أنه لا يحقّ له الارتياحُ

هو يجري أو يموتْ.

من الحبّ غالباً

من الغضبِ غالباً

من الحزنِ دائماً يخفقْ

حزنِ أن الوجود كلهُ مرهونٌ بقبضةْ

– قلبي يخفق –

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.