زَيْف

حارةُ الطفولةْ حارتُكْ ومهما حاولتَ وأنت تكبر شيئاً فشيئاً هي فقط كلُّ ما ستعرفهُ عن الانتماءْ طيلةَ حياتكْ أيُّ حارةٍ فيما عدا ذلكْ بل حتّى أنّهُ، الكوكب، ببقيتهِ كاملاً لن يعني لكَ أكثرَ من مجموعة أمكنةٍ معاديةْ صحراءَ موحشةٍ، في ليلٍ أبديٍّ من الصقيعْ صقيعِ أنّكَ حيٌّ وغريبٌ حتّى أمام ذاتكْ

عن نجومٍ رقيقةٍ تَسقطُ بمجرّدِ النَّظرِ إليها

والمُشكلةُ أنّنا نُصدِّقُ كلَّ هذا الحُزنْ ونحبُّهْ نَحياهُ، نرعاهُ، نراهُ، نَلعقهُ، نَلوكهُ، نَشمّهُ، نَعصِرهُ،  نتعاركُ معهُ، نَتشقلبُ سويّاً على عشبِ المنحدراتِ كصغارِ النّمورْ وعندَ أوّلِ هجمومٍ للغربانِ على قمحِ ابتِساماتِنا  نُمسكهُ بِمخَالبنا كَلعبةِ قشٍّ يابسٍ  نُشعِلها، ولا تَحتَرِقْ *(* نُوشوِشهُ كلَّ صباحٍ : عن الأطفالِ الصّلعانِ الذينَ يتعلّمونَ حفرَ القبورِ، قبورهمْ، بالأظافِرِ، باكراً عن السّماواتِ…

حينَ خسِرْنا نَفَسَنا الأوّلَ في الحياةْ 

هَكذا، وبكلِّ بَساطةٍ وسُخفٍ ودمٍ، وَصلْنَا إلى هُنا كُتلاً صمّاءَ من الأجسادِ المنقادةِ وراءَ كلِّ ما حاوَلْنا تَوريتهُ والهربَ منهُ عبرَ آلافِ السّنينْ الغَرَائزْ *(* – المُلكيّةْ، الجِنسْ، القَتلْ الخَمَاراتْ، السّياراتْ، المَطاعِمْ، البَاراَتْ، الأسوَاقْ، المَعارضْ، الصّناعةْ، الطَّائراتْ، نَاطحاتُ السَّحابْ، المُوضةْ، الكَازِينوهَاتْ، القِمارْ، البَذخْ، السّباقاتْ، الرياضةْ، الصّيدْ، القَتلْ، المِهنةْ، المُؤسساتْ، الحُكومَاتْ، الدولْ، الحدودْ، القوانينْ، السَّكاكينْ، الدّبَاباتْ،…

كيفَ زرعْنَا شتْلةَ حُزنٍٍ

البارحة، ونادراً ما أرَى الأحلامْ رأيتُ حلماً طويلاً جداً، عن حَارتِنا الصّغيرةْ الكلُّ في الزمنِ الحاضرْ، بأجسادِ الحَاضرْ، بِقسوَةِ الحَاضرْ وأنَا، طفلٌ بكلِّ ما فيَّ، غبيٌّ صغيرٌ مندهشْ، وأرَى الجميعْ كانتْ أمّي في كلِّ تفاصيلِ الحلمْ، لكنّي لا أرَاها كلُّ المنامِ الطويلِ جداً، ولم أرَ أمّي، أسمع صوَتها،  كلُّ من في المنامِ يرونَها، يُنادونَ اسْمَها،…