البَشَرْ

ولو أنّنا، منذ البداية، رأينا الوجود على حقيقتهِ : خليطٌ مؤلمٌ من عَتمٍ وثلجْ
ربّما كنّا اقتَنعْنا، لحظةَ اكتشافِنا كيفَ نُشعل النارَ، بالتّوقّف عن البحثْ
ولجلسْنا طوالَ اللّيل ملتصقةٌ أجسادُنا
نحدِّق فيها، النارْ
في عيونِ بَعضنا البعضْ
هناكَ
حيثُ كانتْ كلُّ دائرةِ جلوسٍ حول نارٍ كَونْ

*)*

أجملُ ما يحدثُ لنا كبشرٍ – ولا أقول أنّه لا يحدثُ لكائناتٍ غيرنا – أنّنا نموتُ
حضورنا حينها، يصبحُ أكثرَ خفّةً في قلوبِ الآخرينَ إذ نتواصلُ مع أنقى ما فيهم:
الألمْ

*(*

والبشريُّ وحده على خلاف باقي الكائنات، وصلَ به الخلل مع الكون إلى درجة الإقدام على “الانتحار، الشهادة، التضحية، الفداء، إلخ”
– الإقدامِ على قتل الجسدْ
لأنّه وحدهُ أدركَها، بتعقيدِ حسّه ثمّ سمّاها بعقله، نلكَ الحقيقةَ المفجعةَ؛
أن لا حريةَ كاملةَ إلا خارج الأجسادْ
هناك في العدمْ
حيث يصبحُ أن نكونَ مجرّدَ نسماتٍ خافتةٍ تتراقصُ في الفراغْ
بلا رائحةٍ أو صوتْ
بلا طائلْ
طريقةً وحيدةً للوجودْ

*)*

ولأنَّ الحريّةَ انعدامٌ مطلقٌ للجاذبيّةِ تجاهَ أيِّ شيءٍ، حتّى الأرضْ
لا كائناتَ حرّةَ في هذا الكونِ إلا الطيورْ
لهذا، ربّما، طفراتُ الحرّيةِ عندَ الكائناتِ الأخرى، خاصّةً البشر، تترافقُ مع نزعاتٍ انتحاريّةٍ وتوقٍ للقفزِ من شاهقٍ، حتّى ولو كانَ الثمنُ تحرّراُ تاماً، في نهاية السقوطِ، من الجسدْ
حيثُ يصبحُ الموتُ معادلاً رمزيّاً للحرّيةْ

*(*

ككلِّ شيءٍ في هذا الفراغِ المُرائي
نكذبُ إذ نقولُ أنّنا، على خلافِ باقي الثّدييّاتِ، نبكي عندَ الولادةِ لنأخذَ النفَسَ الأوّل في الحياةْ
نبكي، ربما،
لأننا وَحدنا، كجنسٍ تكوّنَ من امتزاجِ الوحشةِ بالألمِ، لا نشعر فقط بفجيعةِ أن نُوجَد، بل ندركهُا تماماً بكائنِ الوعي الذي يربى ببطءٍ في غُرفِ قلوبنا السّرّية
وكلُّ ما نفعلهُ عبرَ حياتِنا الطويلةِ، ما هو إلَا مناوراتٌ فاشلةٌ لننسى ذلك، تتكشّفُ جميعُها،
تَسقطُ، عندَ بوابةِ الموتْ

*)*

أوّلُ بَشريٍّ حكَّ الخشبَ ليصنعَ نَصلاً للصَّيدْ
بينما كانَ أقوياءُ البُنيةِ من أبناءِ جنسهِ يصطادونَ فرائسهمْ بالأيدي العاريةِ والأنيابْ
لو ظلَّ نباتيّاً،
هل كان سيخسرُ هذا الجنسُ الخَائبُ إلّا تاريخَهْ؟

*(*

البشرُ مَقابرٌ مُتنقّلةْ
كلّما تَفسَّختْ في دواخِلهمْ ذَاكِرةٌ
بَكَوا

*)*

هناكَ مَنْ، كلَّ ليلةٍ، لا يستطيعُ النّومَ، خوفاً، قلقاً، جوعاً، حُزناً، أو كلُّ هذا معاً
في حينِ آخرونَ يؤرَّقُونَ، فقطْ، إذا تَغيّرتْ تَحتَ رؤوسهمْ الوسائدْ
عن خللٍ بهذا الحجمِ نستطيعُ التّحدثَ عند الوقوفِ على ما وصلتْ إليهِ طبيعتُنا
كـ “بَشرْ”

*(*

علميّأً هي “السُّرَّة”
والبعضُ يحبّون تسميتها بــ “الذّكرى”
النّدبة التي تتركُها أوّل طعنةٍ نتلقاها، إذ يقطعونَ اتّصالنا اللّحمي بجسدٍ آخر.
وكأنهم إذ يسمّونها “ذكرى” يدركونُ في دواخلهم، أنّها ستبقى طوال حياتهم، تذكِّرهم كلّما تحسّسوها، بذاك الألم الذي لا يمحى
أنّهم جاؤوا

*)*

كم غريبونَ همُ “البشرْ” !!
غالبيتهمْ يشتهونَ “النومَ بِعمقٍ، نومَ الطفل، النومَ بسكينةٍ، النّوم المطمئنّ، إلخ إلخ” يحبّونهُ، يشتَاقُونه
وفي ذاتِ الوقتِ يرتجفونَ خوفاً من فكرة الموتْ
أو ربّما لا شيءَ في ذلكَ غريبٌ، هو فقطْ وهمُ “الغدِ الأفضل، بكرا أحلى، تصبح على خير، في أمل، إلخ إلخ”

*(*

وندّعي كبشرٍ أنّنا نعرفُ البرد، نشعرُ بهِ، نرتجفُ منه
ربّما كنّا يوماً كذلكْ
لأنّ، مَن حقيقةً، يعرفُ البرد، كائناتٌ يموتُ الكثيرُ منها في قسوةِ البحث عن مؤونةِ الشتاءْ
أمّا نحنُ، فقد يعرفُ البعضُ منّا فقط، ذاكَ الزمهريرَ الموحشَ للوحدةْ
الذي يقتل ببطءٍ الذاتْ
ثمَّ يأكلُ بأقسى أنواعِ الألمِ كاملِ الجسدْ

*)*

العناقاتُ، الأحضانُ، الضمُّ، “العَبْطُ”
عن جدرانِ الدفءِ تلكْ
تحجبُ الفراغَ المُرْجِفَ الممتدَّ بين ذواتِنا وكلِّ هذا الوجودْ

*(*

لا أعترفُ بوجودِ نَدَمٍ، ولم أندمْ في حياتي هنيهةْ
إلا شيءٌ وحيدٌ ربّما، أنّي بشريٌّ ولستُ شجرةْ

*)*

نحن ننجب لننتقم فقط، لنرتكب بأحدٍ ما
ما تم ارتكابه فينا: الحياةْ.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *