عن كائناتٍ بألْفِ فمٍ للابتِلاعْ

بين قسوةِ الاغتراب الدّاخليِّ، والعيشِ المغَلَّفِ بفخِّ الأمان، تأخذُ البيوتُ حيّزها النّفسيَّ في اللاشعورِ الذّاكراتي.
ليصبحَ البيتُ في حياتنا، امتلاكاً واهماً لجذورٍ، لمكانٍ حتّى حين الرّحيلِ عنه، يُجسّدُ ملجأً، ومَهرَباً، لاستعاداتٍ ضروريّةٍ عندَ لحظاتِ الشّعورِ العميقِ بالاغتراب، تثيرُ دلالاتٍ حسيّةً حميمةً، تؤثّثُ الغرفَ الأشدَّ إضاءةً في مستعمراتِ الذاكرة.

لكنّها، البيوتُ، في الوقت نفسه،
تشكّلُ التّجليَّ الأقسى لإرثٍ عريقٍ خَفيٍّ من الخوفْ.
خوفٍ، بحجمِ كُتلِ “الباطون” المنتَشرة كبثورٍ دائمةِ الاحتقانِ على بشرةِ الكوكبِ التالفةْ
جاهزةً دائماً للانفجارِ وقذفِ من فيها إلى الفراغِ، بوخرةِ دبوسٍ صغيرٍ، تغرزهُ بخفةٍ، أصابعُ الحربِ أو زمجرةُ الطّبيعةْ.

خوفٍ، ربما كان منذُ البداية صاحبَ الفكرةِ، مُهندِسَها، بنّاءَها، وأول نزلائِها، للبيوتْ.

خوفٍ، من أن نكونَ عراةً في وجه هذا الاتِّساعِ المخيفِ للأشياءِ والكائنات، أن نكونَ دائماً، عرضةً لصدمةِ الأفقِ، لفجيعةِ الارتفاع، لمُعجزةٍ دائمةِ الدّهشةِ تُدعى السّماء.

خوفٍ أن نكونَ مَنارةٍ،
لا تكفٌّ عن تشتيتِ انتباهِ وحدَتها بالدورانِ المضيء البليدِ بحثاً عن لا شيء.
أن نحيا بقيّة العمرِ الطّويل، بعد انقضاءِ أشهرهُ التّسعةِ الأولى، بلا رحمْ .

*(*

المنازلُ الصغيرةُ المنثورةُ بعشوائيةِ خلّابةٍ كبذارِ حلمٍ على أطرافِ المدنِ الكبيرة:
موسمٌ كاملُ من الحمّى
مزيجُ “التّبنِ” والطينِ مع الفوحانِ المخيفِ لرائحةِ التشكيلاتِ البدائيةِ للمادّةِ، لحظةَ ابتلَالها بالمطرْ
الحبُّ الخامُ في آثارِ أصابعِ الصّناعِ، تمشّطُ خِصلَ حِيطانها بالأظافرْ
الشعورُ المربكُ بالأصواتِ المحيطةِ، تعزفُ ليلاً مؤبّداً، على ريحٍ تعرفُ من أينَ يئنُّ القَصبْ
فوانيسُ، تنطقُ الضوءَ أصفراً : أجنّةً صغيرةً للشّمسْ تنمو فيُ الحيّزَ المقلقِ لمساماتِ المساحةْ
الرقصُ النقريُّ للكستناءِ على صفيحِ المدافئِ
قبيلةٌ من الأياديِ الخشنةِ تصنعُ دوائرَ حبٍّ،
فوقَ مهرجانٍ النّارِ
ينفثُ نُدفَ نجومٍ أعمارهْا لحظاتٌ،
تلدعُ العيونَ كوجوهٍ خاطفةٍ، قبلَ أن تخبو في مائِها.

*)*

ومنها، البيوتُ
مارقٌ حياديٌّ كطلقةٍ طائشةْ
لا قلبَ، مهما شَسِع نبضهُ، يملؤها،
كأّنها منذُ البدايةِ، صُنِعتْ
لتكونَ ثلّاجةً من معادنَ رماديّةْ
لا تُراكمُ فيكَ، إلّا اجترارَ هوائِها الباردِ عبرَ ثقوبِ وعيكْ

*(*

والنّاسُ،
الطّيبونَ منهم،
بيوتٌ بسيطةٌ من خَشبْ
ابتسامةٌ، من القلبِ، يرمُونها، موسميّةٍ كَكسوفٍ
تنموُ في بواديكَ الخاويةِ، غابةَ كائناتٍ، صورُكَ الأشدُّ ألفةْ
عناقٌ قصيرٌ يلفّونكَ فيهِ عندَ ارتجافكَ، تتشرنقُ بينَ يديهمْ
مُغمضاً كلّ تَماسَاتكِ مع الكونِ،
عماءً وثيراً، يطلقونكَ منهُ، بعد ضخَّ الدفءِ فيكَ،
جديداً، نحوُ آفةِ الضوءْ

*)*

ومنهمْ، النّاسُ، جُحورٌ منَ العيونِ الحُمْرِ
تخشى، عندَ كلِّ حفنةٍ لحمٍ منهمْ، لسعةَ البردِ،
سامّةً بما يكفي ليمنحكَ احتضاراً مؤلماً طويلاً
بلا موتْ

*(*

السّجون أحياناً، تغدو بيوتاً
بعقودِ استملاكٍ لكَ، طويلةْ
بقدرةٍ غرائبيّةٍ على احتوائكِ كنملةٍ في كفِّ عفريتْ
بانصفاقِ الحديدِ بالحديدْ
جدراناً تطعنُ بنصلِ السّكونِ “كرشَ” ذكرياتكَ
تَسيلُ، منكَ، الشّحومُ الزائدةُ في خواصرِ التفاصيلْ
الحشوُ “الخلّبيُّ” لوسائدِ دقائقٍ كثيرةٍ،
خاويةٍ مما تدعوهُ حياتكَ الـ “قبل ذلك”

*)*

تَصطدمُ،
تقعُ أرضاً، تنطحُ كلَّ حائطٍ،
طلباً لثغرةٍ، لو صغيرةً، ترى منها الـ “هناكْ”
لا جدوى
تَدمى، تَتعبُ، تهدأُ، تقنعُ،
تحاولُ أن تَتعايشَ،
تضعَ قلبكَ مع قلوبٍ أخرى،
في قاربِ ورقْ
يبحرُ عبرَ ساقيةِ بولٍ تمرُّ من جميعِ الزنازينِ،
رحلةٍ أخيرةٍ نحو دهشةِ المجهولْ

*(*

تتعايشُ، تعيشُ،
تحبُّ بعد قليلٍ، المكانَ، كأيِّ بيتٍ أليفٍ
تحبُّه أكثرَ، ككلِّ البيوتِ
كغيرِ البيوتِ
وحيدٌ سريٌّ لكَ
تبني معه علاقةً ما، غامضةْ
تُحمّلُه تفاصيلكَ، تحفظُ شقوقهُ، تجاعيدهُ، حزنهُ، حنانهُ، قسوتَهُ، مزاجاتهِ الألفْ
أمومتهُ القسريّةَ كبنوّتِكَ،
آثارَ أنيابِ من عضَّ ثديهُ قبلكْ، ألماً أو وداعْ
وشيئاً فشيئاً، تنتميهِ
ينبثقُ غُصنكَ الخاصّ على شجرةِ عائلتهِ
وريثاً لكلِّ من سبقكْ،
ذاكرتٍهمْ، ملايينَ دقائقهمُ الأحبُّ، التي لم يعيشوا
وعندَما يبصقكَ خارجهُ، تتركُ إرثكَ بوجعٍ لمن بعدَك
هكذا كأيّ بيت، كغيرِ كلِّ البيوتْ

*)*

بيوتٌ لانومَ فيها، السّجونُ
افتراسٌ شرسٌ لطريدةِ الغفو، من برّيةٍ دائمةِ النّباحِ في أذنيكَ، ربما
لا خلوةَ فيها،
يَسكنكُ الجميعُ احتلالاً، وتقطنُهمْ ضجيجْ
لا عودةَ إليها، حيثُ أن لا ذهابَ أساساً،
رحيلٌ دائمٌ هو،
حينَ يحدثُ،
بلا جرأةٍ على التفاتةٍ للخلفِ، خاطِفةْ
كانشلاعكَ يوماً عن ملكوتكَ الأوّل، بيتِ طفولتكْ
لضروراتٍ تتعلّقُ، كما أُخبرتَ حينها، بسبلُ العيشْ

*(*

قد تُغلقُ يوماً السّجونُ، أبوابها
لابدَّ، تغلقُ السّجونُ أبوابَها يوماً
كأيِّ بيتٍ
تخلو، تخرجُ أشباحُها، مرتديةً شراشفَ من أنينْ
كأيِّ بيتٍ غابرٍ فيكَ، مهجورٍ
تزورهُ مرّة أو لا،
إن سمحَ الوقتُ،
إن واتاكَ الجبروتُ على “نَكشِ” طبقاتِ القيحِ والدمِ المتراكمة فوقَ كنزِ قلبكِ،
كبقايا حضاراتٍ بائدةْ
ويُستعادُ، إذ يُستعادُ
من بقيّةِ ما لم يمحِهِ من ذاكرةْ : أمكنةِ الطفولةْ

*)*

إن تلمحْ بعدَ انعقادِ السّنونِ، أحد سُكانِه،
يفزُّ الدمُ في كُلِّكُما
تُهرولان، كعاشقينِ، تَتعانَقانْ
تَصمتانْ
تتكلّمانِ، بعدَ حديثٍ طويلٍ للعيونِ، بأشياءَ أيُّكما لا يكترثُ بها
تَتعانقانِ أطولَ
يكملُ كلاكُما طريقهُ،
وابتسامةٌ رطبةٌ تشقُّ الطّرفَ الوحشيَّ من فَمِكمَا، بحنينْ

*(*

وسكَنّا الكهوفَ، مرّةْ
حينَ اشتدَّ فينا، ذاتَ وعيٍ، ما يثيرُه الّليلْ
أغلقْنَا عليهِ، بصخرةٍ صغيرةً، أنفُسَنا
بينما كان، آخرون منّا،
يتسلّقونَ ذرى الأشجارِ العاليةِ،
يرمقونَ السّماء، يحاولونَ ابتلاعَها كاملةً بفكّي العيونْ
مُطلقينَ عواءاتٍ مفجِعةً،
انهزاماً أمامَ الحنين الغامض إلى شيءٍ ما، مُفتَقد.

*)*

– أريدُ أن أسكنَ الخفَّة،
بيوتاً من هواءٍ
نوافذُها، كُلُّها
لا دخولَ ولا خروجَ، إليها ومنها، لا إقامةَ ولا رحيلَ، فيها وعنها
حياةٌ، ومَدفنْ
– تسكنينَ معي؟
– أين؟
– جسدي؟
– كيف؟
– التهاباً مُزمناً في سائلي الشّوكيّ
مومياءَ مدفونةً منذ البدءِ في تابوتِ أنفي،
تفوحُ منهَا، مع كلّ خماسينَ، روائحكْ
بقايا أحمرِ شفاهٍ يختبئُ خلفَ الستائرِ الخلفيةِ لدَرفَتِي فَمي
دفئاَ مقيماً، كحروقٍ من الدّرجة الثالثةِ على الفخذِ الذي اعتدتِ الجلوسَ عليهِ،
وترقيصِ قدميكِ، كزَرعةٍ يداعبُ جذورَها الماءُ، على جرفِ نهرْ
شَعرتين، ثلاثة،
تدغدغنَ، عند أيِّ نسمةٍ، احمرارَ خديّ الفاضحِ بعدَ حادثةِ القبلةْ
وفائزاً يومياً في المارثونِ اللّيليِّ لتسّرعِ القلبِ واضطرابِ النَّفسْ

*(*

وأذكرُ، بما يشبهُ التّقمّصَ، أنْ كنّا نِصفينِ:
نصفُ يَسبحُ في بركةِ الصَّفنِ،
وآخرٌ في زنازينِ المبيضِ،
من هُروبهما إلى موعدٍ سريٍّ لهما،
جِئنا
لاجئي دهشةٍ في خيمةِ الرّحمِ،
ببطءٍ، نُلملمُ داخلها، مفرداتِ الإحساسِ الأوّليّ بالخارجِ، العراءِ، المعادي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *