عن المسرح المعاصر للــ “الإرهاب”

مع أحرِّ التعزي لأهالي أيِّ ضحيّةٍ تسقطُ، لأيِّ سببٍ كانَ، على هذا الكوكب الذي يغصُّ بالجرائم المختلّةِ، وبشتّى أنواعها

لكنْ، غريبٌ ومبتذلٌ هذا الإصرار الدّائم على ذِكْر – في نوع محدّدٍ من الجرائم – أنّ الجريمةَ “عملٌ إرهابيٌّ” قام به شخصٍ من أصلٍ”تونسي، سوري، فلسطيني، أردني، جزائري، أريتيري، أثيوبي إلخ إلخ”

وهل هناك جريمةً ليستْ إرهابيةً للفرد والمجتمع؟

لماذا إذاً، ما دامت هذه الصفة ضمناً موجودةٌ في شتّى أنواع جرائم القتل، إغفالُ إرهابيّتها والتّرفعُ عن ذكر أصل فاعلها حين القاتل يكون فرنسياً أو أمريكياً أو ألمانياً إلخ،

أم أنّ الطائرات التي بلمحة زرٍ، تقتل المئات والآلاف أحياناً، لا أصلَ لها، هي بنتُ الحربِ فقط وكفى؟

ثمّ أنّ الشاحنة كانت مليئةً بالذّخائر والقنابل!!

هل الخطةُ كانت أن يُفرغَ “الإرهابيُّ” جعبَتهُ الكاملة من الذّخائر في صدور مدنيينَ على طول كيلومترين، لكنّ خياله الإجراميّ المَرَضيّ ألهمهُ في اللحظة الأخيرة أن يدهسهمْ دهساً ويسجّلَ بذلكَ سبقاً، وفتحاً جديدا في الإرهاب.

أم أنّه ظنّ مثلاً، أن تجمّع الناس كان نقطة تفتيشٍ غفيرةٍ بانتظارِ شاحنته المحملة بأطنان الذخائر والقنابل التي كان سيوزعها على “خلايا إرهابية نائمة” ليطلقوا النار على بعض رسّامِي الصحف المسيئة لبعض الأديان، فقامَ بمحاولة الفرار عبر دهسهم جميعاً قبل إطلاق النار عليه.

ثم كيف احتفالٌ بهذه المناسبة العظيمة للجمهورية الفرنسية، لا يكون فيه طوقُ أمنيُّ ولو بسيطُ، بمعدّل شرطيين ثلاثة كلّ مئتي متر مثلاً، ولو من باب المشاركة بالاحتفال، أم أنّ الشرطة لا يحقّ لها أن تحتفل بعيد جمهوريتها، وإلا إن لم يكونوا يحتفلون فما الأمر الذي سيشغلهم في هذا اليوم الهامّ سوى حالةُ استنفارٍ يفترض وجودها لإيقافِ شاحنةٍ مليئة بالذخائرِ تخترق احتفالاً يغصّ بالحشود، خاصّة بعد أن تعرضت باريس لهجماتٍ إرهابيةٍ متعددة في الفترة المنصرمة.

جنونُ هو لا شكّ، وإجرامٌ أكثر وحشيةً من التفجيرات الإنتحارية التي تستغرق صاحبها لحظةَ ذروة نادرةٍ من ذهاب الحسّ والعقل، دهسُ الناس في مدينة نيس الفرنسيّة بواسطة شاحنةٍ على طول كيلومترين، لكنَّ هذا الجنون المحتدمَ ما هو إلا انعكاسُ لاضطرابٍ كاملٍ في اتّزان البشرية جمعاء، وخلل في هرموناتِ كائناتها وجيناتهم، لكنَّه، الجسدُ، حين يصاب بمرضٍ داخليٍّ خبيثٍ كالحرب ومفرزاتها من “الإرهاب” في “العالم الثالث”، ستظهرُ لاشكَّ، رغمَ آلاف الكواليسِ الموضوعةِ لإخفاء طبيعة المرضِ وأسبابهِ، بعضُ الأعراض على الملامح الجميلة للوجه “العالم الأول”، وسيترك بعضها ندباً عميقةً ومؤلمة.

بالطبع أكررُ العزاء الكبير لذوي الضحايا، وبالتأكيدِ مؤسف جداً هو ما حصل، وحظاً موفقاً لـ “هولاند” في “خليّة الأزمة” التي سارع بتشكيلها لاحتواءِ الفعل الذي انتهى، والتي ستطمئن الفرنسيين بعد أيام أن الشاحنة كانت معدّة لانفجارٍ كفيلٍ بقتل الآلاف وسط الاحتفال، لكن الزرّ المعدّ لتشغيل الصاعق تعطّلَ بآخر لحظةٍ مثلاً، ما دفع “الإرهابي” لفعل ما فعلَ، أو أيِّ روايةٍ من تلكَ التي يكتبها جهابذة الأجهزة المخابرتية في كل العالم.

****

حين ترمي عود ثقابٍ على كومة قشّ في حقل جاركَ، هذا لا يعني أنّ الريح يوماً، بكامل آسفها، لن تحمل من الحرائق شيئاً إليك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *