حصادُ الأحلامِ المتيبّسة

وإذا لم تكُنِ الشّعوبُ، أيُّ شعوبٍ، تتكلّمُ أو تعبّرُ عن قَهرِها، 

فهذا لا يعنِي أنّها لم تكنْ تشعرُ بهِ وتخزّنهُ في بيتِ النّارِ، ببطءٍ

لتطلقهُ كاملاً في صدرِ الكوكبِ، لحظةَ التقاءِ أقصَيَي البرُودةِ والحرارة في دَواخلِها

القهرُ، كانَ يتآكلُها بوجعٍ، 

يربَى على ناعمِ خدودِها، كَلحيةٍ في غَابةْ

يوظّفُ خلاياها، خليةً تلوَ الأخرى بخفّةِ سرطانٍ، لا يُبدي استِجابةً خارجيّةً للأعراضِ إلا حين يصلُ إلى مرحلةٍ يطفحُ فيها على كاملِ الجسدِ، ليبدأ بعدها دورةَ الإفناءِ النّهائيّ عبرَ أكبرِ عمليةِ بلعمةٍ خلويّةٍ في الطّبيعة “الثورة” :

مع كلِّ لحظةِ انتظارٍ أبلهٍ لمُعجزةْ

مع كلِّ كلمةٍ جارحةٍ من “ابنِ حكومةْ”

مع كلِّ “دَفْشةٍ” في طوابيرِ الأفرانْ

مع كلِّ حذاءِ جلدٍ يُوضعُ بتَعالٍ على صندوقِ “بويجي”

مع كلِّ رغبةِ طفلٍ يقتُلهَا العَوزُ والجرُّ المخذولُ باليدِ الخشِنةِ من أمامِ واجِهاتِ محالِ الألعابْ

مع كلِّ “حَفّاطات” القماشِ الرديءِ التي تستخدمُ وتغسلُ ألفَ مرّةٍ إلى أن يصبح لونها الأصليُّ بنّياً

مع كلِّ رغيفِ خبزٍ يابسٍ يُعادُ تكريرهُ بالماءِ ليُسكِتَ جعيرَ البطونِ الجائعةْ

مع كلِّ نجومٍ لم تَملكْ الوقتَ لتُحمّلَ أمنيةْ

مع كلِّ قمرٍ لم يأبهْ أحدٌ بدورةِ حياتهِ الشّهريةِ، ليلاً

مع كلِّ “سيرانٍ” خَجولٍ لم يستّحقَّ عناءَ الصّورْ

مع كلِّ بردٍ لم يدفَأ تماماً ولو لمرّةْ

مع كلِّ جوعٍ لم يعرفْ معنى التّخمةْ أبداً

مع كلِّ أحذيةٍ بشبّابيكَ أماميّةٍ للأصابعِ الأطولِ في القَدمْ

مع الهوامشِ اللامرئيةِ للفرحِ على دفاترِ اللّحظاتْ

مع كلِّ خوفٍ من “بكرا”

مع كلِّ حُنقٍ من الآنْ

مع كلِّ زمهريرٍ يغزُو سكارى العجائزِ، أوّلَ الفجرْ، 

زَبدَاً من الأسماءِ المتيبّسةِ على شقوقِ شفاهِهمْ

مع كلِّ عَصرةِ جَواربٍ، من الماءِ، ثمَّ “تَقمِيرِها” كرغيفِ خبزٍ فوقَ “سِياخِ الصّوبية”، شتاءً

مع كلِّ حُفنةِ نقودٍ تَسرقُها الطّفولةُ من جيوبِ الآباءْ

مع كلِّ صَدعٍ كونيٍّ يخلّفهُ الافتراقُ القسّريُّ لرؤوسِ أصابعِ كفّينِ حَميمينَ، عن بعضِهما

مع كلِّ ممارسةٍ للعادةِ السّرية في الغرفِ الضّيقةِ وجفافِ الخيالْ

مع كلِّ حلمِ زفافٍ لصبيّةٍ تَتمايلُ أمامَ المرآةِ بكيسِ طحينٍ أبيضٍ على جسدِها

مع كلِّ شتيمةٍ كُتبَتْ خِلسةً على الجدرانِ النّظيفةْ

مع كلِّ الاشتهاءاتِ المُوجعةِ لقُبَلٍ لم تَحدثْ

مع كلِّ تلويحةِ يدٍ مرتجفةٍ لراحلينَ لن يَعودوا

مع تزاحمِ الوجوهِ الغائبةِ، كَرَمَدٍ، في عينيِّ أرملةٍ ثَكلى

مع الأحذيةِ “الطّبيةِ” التي تمنعُ رغيةَ القدمينَ بالنّموِ وارتداءِ أحذيةٍ جديدةْ

مع كلِّ ذبولِ آسٍ على القبورِ البَاكرةْ

مع كلِّ بروزٍ خياليٍّ للأقفاصِ الصّدريّةِ كأنّها مُجسماتٌ في عِيادةْ

مع كلِّ سمفونيةٍ يعزفهُا تسلّلُ المطرِ منَ السّطوحِ المهترئةِ على الأواني المَعدنيةْ

مع ترّبعِ “الأدرينالينِ” صدارةَ الإفرازاتِ في حياةِ بعضِ الأجسادْ

مع جثثِ المفقودينَ، تتبادُلها بلدانُ الرّعبِ بينها، لِتُمدّدَ على أسِرّةِ التّشريحِ في كلّياتِ الطّبِ، لِما فيه “خيرِ البشريّةِ”

ومع الحصادِ السّنويِّ لمواسمٍ من الأحلامِ المتيبّسةْ 

تُعبّأ في “شوالاتِ الخيشِ”، ثمَ تُرمى بإهمالٍ فوق سقيفةِ الأفقِ العَفنْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *