غَرْقى، على هذهِ التّربةِ نمشِي، نبتلعُ ماءً مُفكّكْ

كلَّ ليلٍ، قبلَ نومكِ
أكثِري من دعواتكِ الطّيبةِ لي : بـالاختِناقْ
فهذا الهواءُ 
باتَ شَظايا زجاجٍ بحالتِهِ “الغَازيّة”
كلُّ نفَسٍ، جُرحْ
يا أمّي

*(*

وربّما يكونُ ادّعاءُ الجنونِ مَدى الحياةِ، انتِحَاراً جَباناً
لكنّهُ لاشكَّ أكثرُ شجاعةً من محاولةِ البقاءِ حيّاً، بعقلٍ سليمٍ ووعيٍ متّزنْ

*)*

والمؤلم، المضحك، بعد كلّ هذا،
أنّكَ في نهاية الأمر؛
وأنت تلُوكُ حصّتكَ الأخيرة من الهواءِ بكلِّ ما استطعتَ من بطءٍ،
ستدركُ أنّ كلّ ما مرّ،
لم يكن سوى مسرحيةً طويلةً سخيفةْ
لم يكن يشاهدِها منذ البداية أحدُ سواكْ
كلّ ما تبقّى كان مجرّدَ ديكوراتِ وكومبارسِ،
خداعٍ لئيمٍ لتستمرّ بالمشاهدة،
إلى أن تسدِلَ جفنيك للمرّة الأخيرة، دون تصفيقْ

*(*

خطوتُ على دَرجٍ طويلْ،
في مُنتصفهِ، لاحَ لي لا شيءْ،
هَممتُ بالعودةْ،
رأيتُ البابَ مغلَقاً،
جلستُ مَكاني وبكيتْ

*)*

ما بالنا جميعاً هكذا
قلقينَ، خائفينَ، مرتعدينَ، لاهثينَ، مسرعينَ، “كلبانينَ”، مسعورينَ حدَّ القتلْ
فلنهدأ قليلاً ونطمئنَّ
سنموتُ جميعنا في النهاية
أوليست هذه حقيقةً مريحةْ

*(*

رعبٌ هو، كلُّ هذا الوجودْ
كقطعةِ بيانو كئيبة
تعزفها أصابعٌ نصفُ مبتورةٍ 
قبيل انتهاء الشّفقِ بتثاؤبْ

*)*

وهذا الكون الذي لم نستطع أن نأخذه إلا على محمل الجد
نقطة جف حبرها
أتصدقون ذلك!
ذاك نحن
سجناء صحراء سوداء بحجم نقطة، ليس إلا
نتقاتل ونأكل بعضنا البعض من أجل قطرة ماء أو بُقعةِ ضوء

*(*

لم نجنِ شيئاً، لن نجنيَ شيئاً
سوى ربما، كومة البحص القاسية تلك، سيئة النكهة، التي هرّبناها معنا طوال محطات عمرنا، مخبّأةً بإتقانِ أمٍّ تخيطُ حجاباً خفيّاً في سروالِ ابنٍ مُهرطِق،
لنقرطها، كومة النّدمِ تلكَ، خلسةً في أرذال الشيخوخة،
نُكسّر بها أضراسنا
نُلعثمَ نطقنَا، بكلامٍ أسيٍّ لا يفهمهُ سوانا،
نمتنعََ عن الطعامِ بحجّةِ صعوبةِ المضغِ
وبلهفةٍ عاشقٍ ننتظرُ موتنا القادم في أيِّ لحظةْ

*)*

لا جديدَ يحدثُ
تَستيقظُ 
تدفنُ رأسكَ في رملِ أحلامِ يقظتكْ
إلى أن تغربَ عن وجهِ الكونِ الشّمسُ
ترفعهُ بحذرٍ
تَستنشقُ ملء رئتيكَ العتمةْ
ثمَّ بامتنانِ مؤمنٍ تبكي
أن كيفَ نجوتَ اليومَ أيضاً من الحياة

*(*

كأنّهمْ يُجْرونَ لنا جميعاً، قبلَ أنْ نولدَ، تحليلاً جينيّاً لكمّ الحزنِ المخْبوءِ في صبغياتِنا،
فإذا كنّا نملكُ منهُ ما سيكفينا قبلَ نفاذِ الوقتِ منّا، نولدْ
وإنْ لمْ؛
نموتُ في الأرحام “سُعداءْ”

*)*

لو فقط أعرفُ الشَّرِهَ الذي يقضمُ القمرَ كلّما اكتملْ

*(*

وماذا لو كانتِ النّجومُ مصابيحَ بيوتِ وحيدينَ 
يسهرونَ ذاكَ الفراغِ الأزرقَ دائماً
إلى أن يأتي يومٌ يملّونَ ذلكْ
تنطفئ مصابيحهمْ 
ينامونَ الأبدْ

*)*

وهل نحنُ أكثرُ من كائناتِ ثلجٍ، متباعدةٍ، وحيدةْ
نذوبُ إذ نتلامسُ
ونزدادُ وحدةً كلّما اشتدّ فينا البردْ

*(*

غَرْقى، على هذهِ التّربةِ نمشِي، نبتلعُ ماءً مُفكّكْ

*)*

ناجياً وحيداً من آخِرِ حربْ
حبّةُ العنبِ التي في حَلقكَ بغتةً تسقطُ، وأنتَ تتثاؤبُ ندمَ النّجاةْ
– مستلقياً في ظلّ حائطٍ مهدومٍ على فجواتهِ تتسلّق داليةْ –
ثمَّ تَخنُقكْ
هو دفاعُ الطبيعيّةِ عن شِعريّةِ السّخريةْ

*(*

ولأنَّ الذواتَ توّاقةٌ، مهما تكوّرتْ على نَفْسها، للامتدادْ
لا نملُّ وقوعنا الدائمَ في فخِّ الأفقْ

*)*

أعظمُ شِعرٍ، ولا أظنّه قد جاءَ بعد؛
مَنْ لم يَنطقْ طوالَ حياتِه سوى مرّةً واحدةً، صوتاً وحيداً، مشتركاً بين لغاتِ العالم:
أييييييييييييييييييييه

*(*

ربّما لا شيء البتّة يَحصل لنا، ربما فقط هي الذّاتُ، أيُّ ذاتٍ، هكذا، أليمةٌ متألمةْ، كلمّا نَفَسٌ مرَّ فيها عَوَتْ

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *