كلامُ الماءِ للماءْ

الرَّحيلْ

غرفةُ تَعذيبٍ 

ضيّقةْ، بَاردةْ، بيضاءْ

تَبنيها الأيّامُ في دَاخلكَ شيئاً فشيئاً

مِنْ بَقايا مِلحِ الرّاحلينَ على كَتفيكْ

تسكنُ فيها وحيداً

مَشدوداً إلى الجدرانِ فيها، بألفِ سلكٍ تحتِ جلدكَ 

تخلعُ أظافركَ على مهلٍ، بكمّاشةٍ حديديةٍ صَدئةٍ

إظفراً إظفراً كلَّ يومْ

تَتسلّى بغرزِ أشواكِ الصّبارِ في كلِّ مساماتِكْ 

ريثماَ تعودُ الأظافرُ للنّمو مجدّداً

ريثما ينضجُ وداعٌ جَديدْ

****

الرَّحيلْ

أنْ يصبحَ القلبُ كرةً إسفنجيّةً صغيرةْ

من تلكَ التي تُضغطُ باليدِ مراراً لتمرينِ عضلاتِ السّاعدْ

ألفُ ضَغطةٍ في الدقيقةْ، عند العِناقْ

****

الرَّحيلْ

تغييرٌ اضّطراريٌّ لتَكتيكِ الفَجيعةِ 

انتقالٌ من قبرٍ ضيّقٍ إلى قبرٍ أضيقْ

تدريبٌ طويلٌ على اقتصادِ النَّفَسْ

الرَّحيلْ

إقامةٌ دائمةٌ في الهَشاشةْ

تذكيرٌ بالموتْ 

بأبشعِ الطّرقِ وأكثرَها خِسّةْ

****

الرَّحيلْ

ليلٌ وجسدٌ وحيدٌ 

مُحاطٌ بالكثيرِ من ظلالِ أنوارِ الشّارعْ

الرّحيلُ هو أوّلُ الشمسِ، .

حين تتركُ ظلّاً وحيداً لذاكَ الجسدْ

****

الرَّحيلْ

تعثّرُ الأحرفُ بارتجافِ فكّيكَ

كلامُ الماءِ للماءْ

تأرِيخُ الملحْ

****

الرّحيلْ

خاتمةٌ رديئةٌ

لمجموعةِ قِصَصِنا البسيطةِ الجميلةِ الحَميمةْ

وبدايةُ مشروعٍ روائيٍّ للذّاكرةْ

****

الرَّحيلْ

رائِحةٌ مقيمةٌ في قصباتِ رئتيكَ التّنفسيةْ

لا تخرجُ مع البَلغمْ

لا تخرجُ مع الرّعافْ

لا تخرجُ حتّى مع الزّفيرِ الأخيرِ في الحياةْ

أولُ أكسيدِ الكربونِ في صُفيحاتكَ الدّمويّةْ

****

الرَّحيلْ

سلاحٌ لا متناهِ الذّخيرةْ

يطلقُ مَخازنهُ في الهواءْ

تُصيبكَ رصاصاتُهُ الطّائِشةْ

****

الرَّحيلْ

شاشةُ عرضٍ كبيرةْ

تعرضُ فيلماً قصيراً يُعادُ مراراً 

عن مَذبحِ كلِّ الذينَ تحبُّهمْ

وجَفنيكَ معلّقينِ بخطّافينِ كي لا تُغمضَ عينيكْ

****

الرَّحيلْ

ذروةُ إدراكِنَا المؤلمِ، 

عن المَعنى الحقيقيِّ للصُّورْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *