عن نجومٍ رقيقةٍ تَسقطُ بمجرّدِ النَّظرِ إليها

والمُشكلةُ أنّنا نُصدِّقُ كلَّ هذا الحُزنْ
ونحبُّهْ
نَحياهُ، نرعاهُ، نراهُ، نَلعقهُ، نَلوكهُ، نَشمّهُ، نَعصِرهُ، 
نتعاركُ معهُ، نَتشقلبُ سويّاً على عشبِ المنحدراتِ كصغارِ النّمورْ
وعندَ أوّلِ هجمومٍ للغربانِ على قمحِ ابتِساماتِنا 
نُمسكهُ بِمخَالبنا كَلعبةِ قشٍّ يابسٍ 
نُشعِلها، ولا تَحتَرِقْ

*(*

نُوشوِشهُ كلَّ صباحٍ :
عن الأطفالِ الصّلعانِ الذينَ يتعلّمونَ حفرَ القبورِ، قبورهمْ، بالأظافِرِ، باكراً
عن السّماواتِ التي لم يَثقبْها التّلوثُ، بلْ تَحديقُ “تِسعينيٍّ” مَلَّ الأرضْ
عن نِسوةٍ يُدَرُّ الأمسُ من أثدائهنّ أسوداً كدمٍ فاسدْ
عن رجالٍ قُساةٍ، 
تحوّلوا، قبيلَ حطامهمْ الأخيرِ على الشَّواطئ، إلى قواربَ نجاةٍ مُهترئةْ
تَحملُ أحبّاءهمْ عبر دروبِ الخوفِ، إلى ضفّةِ اللاخوفْ 
ثمّ تَغرقْ
عنِ المحطّاتِ الّتي تُتركُ الصّورُ على كراسِي انتِظَارها، 
رَطْبةً، وَحيدةً، ثمّ رويداً رويداً، يمحي الزّمنُ مَلامحَ منْ فيها
عن الشّبابيكِ التي تصّطكُّ بعنفٍ متعمّدٍ لِيغلقهَا أحدٌ، 
ولا أحدَ 
تَتكسّرْ
عن الأبوابِ الّتي أُقفِلتْ للأبدْ، وابتلعَ الحوتُ مَفاتِيحها
عنِ صناديقِ المراهَقةِ الحَمقاءِ، كيفَ كأيَّ كنزٍ ثمينٍ، دُفِنتْ تحتَ الأنقاضْ
عنْ أنّنا تدرّبنا جيّداً على الوحدةْ، 
والبحثِ ليلاً في الحاراتِ عن أحدٍ نراهُ، نَلمسهُ، 
ياما لَعِبنا الغمّيضةَ في صِغرنا
عَنْ أنّنا حينَ وشمنَا أسمَاءنا على جلدِ الشجرةِ العجوزِ على سفحِ المُرتَفعْ
لم نسألهَا أيُّ الوشُومِ تحبُّ، ولم تَقُلْ
كانَ يكفِيها القلبُ الغبيُّ الطّيبُ بين حَرفينْ
عن آخرِ نسلِ العصافيرْ، كيف تَلقَّى رصَاصةً عِوضاً عن جُنديٍّ خائفٍ، كانَ يَصرخُ بَاكياً: 
الحربُ، .الحياةُ، مَعركةٌ بلا شَرفْْ
عنِ الشّمسِ الّتي تحتالُ علينا كلَّ ليلةٍ بالقمرْ
وعن أوّلِ الحزنِ وآخرِ الفلسفةْ : 
جنينٌ أكملَ شُهورهُ التّسعةَ بالتّأمّلِ، 
وشنقَ نفسهُ بِحبلهِ السّرّي لحظةَ الولادةْ

*)*

– حَدِّثني عن الماءْ
عنِ البداياتِ التي لا تبحثُ عن نِهايةْ
عن البناتِ الّلواتي في كلِّ حربٍ يَحرُقنَ بَنَاصِرَهنَّ اليُسرى بالجمرْ 
ويَتزوجنَ التَّوابيتْ
عن أطفالٍ يلعبونَ ” الدّحاحِلَ” بِكُراتِ عيونِ القَتلى 
في جُورةٍ صَنعتها قَذيفةْ
عن الطيورِ التي ترتدي ريشاً معدنياً مضاداً للرّصاصِ 
وتتنقّلُ على الكراسي المُدولَبةْ
عن نجومٍ رقيقةٍ، تَسقطُ بمجرّدِ النَّظرِ إليها،
عنِ البلادِ التي نَفَذَ ترابُها، من حُفَنِ قَبضاتِ الرّاحلينْ
عن الأنينِ الغامضِ الذي لا يكفُّ عن العواءِ في المدنِ المَهجورةْ
وعن هَذا الضجيجِ المزعجِ قُربَ رِئتكَ اليُسرى
مَتى يتوقّفْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *