حينَ خسِرْنا نَفَسَنا الأوّلَ في الحياةْ 

هَكذا، وبكلِّ بَساطةٍ وسُخفٍ ودمٍ، وَصلْنَا إلى هُنا
كُتلاً صمّاءَ من الأجسادِ المنقادةِ وراءَ كلِّ ما حاوَلْنا تَوريتهُ والهربَ منهُ عبرَ آلافِ السّنينْ
الغَرَائزْ

*(*

– المُلكيّةْ، الجِنسْ، القَتلْ

الخَمَاراتْ، السّياراتْ، المَطاعِمْ، البَاراَتْ، الأسوَاقْ، المَعارضْ، الصّناعةْ، الطَّائراتْ، نَاطحاتُ السَّحابْ، المُوضةْ، الكَازِينوهَاتْ، القِمارْ، البَذخْ، السّباقاتْ، الرياضةْ، الصّيدْ، القَتلْ، المِهنةْ، المُؤسساتْ، الحُكومَاتْ، الدولْ، الحدودْ، القوانينْ، السَّكاكينْ، الدّبَاباتْ، البَنادقْ، القَنابلْ، المُفاعلاتْ، الحَربْ، الحربْ، الحربْ، الحربْ، الحربْ

*)*

– المُلكيّةْ، الجِنسْ، القَتلْ

ثوراتُ اتّصالاتْ، ثوراتُ موضةْ، ثوراتُ عُمرَان، ثوراتُ ربطاتِ عنقْ، ثوراتُ حقوق إنسانْ، ثوراتُ حقوقِ حيوانْ، ثوراتُ تحرّر للجَسدْ، للمثليّةْ، للمرأةْ، للعقلْ، للــ إلخ إلخ،
وثوراتُ الإنسانِ، بكلِّ مَا سبقْ، تُقتلْ
كل هذا وعراةً لازِلنا، لم نُغطِّ شيئاً سوى أعيُننا،
لم نفعلْ شيئاً سوى أنّنا خسِرنا الدهشةَ لصالحِ المتعةِ الملفّقةْ

*(*

لا زلنا نرتعدُ من “مجنونٍ” يركُضُ عَارياً في شارعٍ ما، نتهامسُ على أيِّ أشعثٍ رثٍّ لا مبالٍ يمشي بكاملِ بدائيتهِ في “وول ستريتْ “مثلاً،
نَتفادى طِوال اللّحَى والشَّعرْ: “إرهَابيّ، هِيبّييز، فاشِلْ، مَجنونْ، فوضويّ، طالعة ريحتو إلخ إلخ”
إنسانٌ خامْ
كلُّ هذا، ونكذبُ إن قُلنا أنّنا سعداءْ
لازلنَا تُعساءَ،
تعاسةَ أولِّ إنسانٍ أدركَ ماهيّةَ الموتِ، أحسَّ الإنتهاءْ
 بَكى
مازلنا وحيدينِ حدَّ الضجيجِ
ضجيجِ الحروبْ
وصَخبِ الحَداثةْ وما بعدَ الحداثةْ وما بعدَ بعدَ الحداثةْ

*)*

كلُّ شيءٍ باتَ بكبسةِ زرٍّ
التّنقلُ بين أصقاعِ العالمِ على شاشةٍ لا تُنَمّي إلّا البَلاهةَ
الطّهيُّ السّرطانيُّ في الموجاتِ الإشعاعيةِ الميكروصوتيةْ
إرسالُ خراءنا وبولنا إلى جوفِ الأرضِ،
تحويلُ العتمةِ إلى نورْ
تحويلُ النورِ إلى عتمةْ
الصّعودُ إلى القممْ
الهبوطُ إلى الجوفْ
التواصلُ مع البعيدينْ
الابتعادُ عن القَريبينْ
قتلُ الآلافْ، مئاتِ الآلافِ، الملايين،
كلُّ ذلكَ بكبسةِ زِرٍّ
لماذا ؟
لكي نوفّرِ بعضَ الوقتِ !
وقتاً أطولَ 
للمسافةِ بينَ خوفِنا والموتْ

*(*

نولدُ كاملينَ بذروةِ غباءِ التّراكمْ
نُسَخاً مُتطابقةً عن آخرِ ما توصّلتْ إليه التّكنولوجِيا
كلُّ شيءٍ أصبحَ مَحفوظاً في تكوينِ جيناتِنا الخَيطيّ
نُحَمَّلُ في مُعالجاِتنا العقليّة كلَّ ما سبقَ، عبر كلّ وسائلِ حياتِنا، طَواعيةْ
وننتظرُ الفتحَ الأخيرَ للتطورْ: الإنسانَ الآلي!
ولا نعلمُ أنهُ باتَ موجوداً
نراهُ كلّ يومٍ صباحاً، في المرآةِ، في الشّارِعْ، في العَملْ، في البَيتْ، .في كلِّ مكانْ
دونَ أنْ نتأملَ وضوحَ العِبارة ” الإنسان الآليّ”، أو نقارنُها مع عبارَاتٍ نعرفها :
“الإنسانُ الحجريِّ لم يكن حَجراً على هيئةِ إنسانْ
كان يعيشُ في العصرِ الحجريّ
إنسانُ الكهفِ لم يكنْ كهفاً على شاكلةِ إنسِانْ
كانَ يعيشُ في الكَهفْ
الإنسانُ الآلي ليس آلةً بجسدٍ بشريّ، بل إنسانُ يعيشُ في عصر الآلاتْ
نحنُ”
فَقدْنا المُحاكمةْ لِصالحْ الحِكمة الجَاهزةْ

*(*

فقدْنَا احتِكاكَنا الخامَ بحواسِنا مع الطّبيعةِ، مع الكائناتِ، مع الأشياءْ
رعشةَ لمسَتِنا الأولى لأيّ جسمْ
نظرتَنا الأولى لأيِّ مشهَدْ
سَماعَنا الأوّليّ لأيّ صوتْ
تذوّقَنا الأوّلَ لأيِّ نَكهةْ
نَفَسَنا الأوّلَ في الحياةِ
نَفَسَنا الأوّلَ في الحياةِ 
نَفَسَنا الأوّلَ في الحياةِ 
نَفَسَنا الأوّلَ في الحياةِ باتَ موادَ التّعقيمِ في هواءِ المَشافِي
بعدَ أنْ كانَ روائحَ الكونِ مجتمعةً في أوّل شهيقْ
آهٍ !! الكونُ كلّياً في شهيقْ !!
خسِرنا هذا، تخيّلوا ذلكْ

*)*

– أتأخُذني معكَ ؟؟
– إلى أينْ ؟
– إلى حيثُ تذهبْ
– لا أعرفُ إن كنتُ أذهبُ أم أعودْ، أمشِي فَحسبْ
– خُذني معكَ، نَمشِي
– نَصمتُ، لا أسئلةَ، لا أجوبةَ، لا كلامَ لا نظراتٍ لا شيءْ، يدي في يدكِ 
يضغطُ أحدُنا على كفِّ الآخرِ، نتحاورُ هكَذا فحسبْ، ونَمشي
– إلى أينْ ؟
– هذا فراقٌ بَيني وبينكِ، وداعاً، أمرُّ بكِ حينَ أعودُ،
– من أينْ ؟؟
– أو لا أمرُّ، لا أعودْ، أغيبْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *