كائناتٌ خائفةٌ فحسبْ

كائناتٌ خائفةٍ فحسبْ
نهربُ من أيِّ شيءٍ إلى كلِّ شيءْ
من ذواتِنا إلى الآخرين، من اللّيل إلى النّهار، من الصّمتِ إلى الصّخب، من الموسيقا إلى الحرب، من التّلويحِ الباردِ من بعيدٍ، إلى الاقترابِ، التّلامُس، العِناق.
من الموتِ إلى الحياةْ

*)*

من المساحاتِ المفتوحةْ
الممتدّةِ كَصَدى صراخٍ من قمةِ جبل يطلُّ على لا شيءْ
إلى جدرانٍ نرتَديها قناعاً واقياً من أوكسجينِ الخيالِ الذي ينعشُ ما لا نطيقُ احتماله.
من انفلاتِ الطفولةِ، إلى وقار البالغينَ، قواعدِهم، شخصياتِهم، اتّزانِهم السّخيف المزيّف، عماءِ حسّهم المتخفّي بـ “بصيرة المعرفة”.
من الرقصِ الوحيدِ في ليلٍ مُقفِرِ الناسِ، إلى تشابكِ الأيادي أمَام الجماهيرْ

*(*

هربٌ إلى سفنِ حديديةٍ باردةٍ رغم تزاحمِ الأنفاسِ فيها “المدنْ”

*)*

هربٌ من التّمددِ ليلاً على طوفٍ عشوائيٍّ، قطعةَ خشبٍ تائهةً في عماءِ البحِرْ
هنالكْ
حيثُ يختفي الفوقُ والتحتْ
الأمامُ والوراءْ
ويصبحُ، لو تدري فقط، البحر سماءً والسماءُ بحرْ
يفقدُ الغرقُ معناه كما الطوفُ، الطيرانُ كما السقوطُ، الإبحارُ كما الرسو، تختفي الثنائياتُ لتصبحَ في هذا العتمِ الطريّ المنارِ ببناتِ الشمسٍ، صفراً مطلقاً، لا يبدأ منهُ شيءٌ ولا ينتهي عنده، مركزاً لشرودٍ دائريٍّ ترسمه حدقتا عينيك، سكونٌ خامٌ مغمضٌ ينبضُ فقط.
هنالكَ يمكن أن تصدّقَ أنّ للصمت صوتٌ، عواءٌ عالٍ حدَّ الصممْ

*(*

هربٌ من أن نكونَ صُورنا الحقيقيّة المَشُوبَة بنا، بكلِّ ما فينا،
إلى نقاوةِ الصّور التي يتخيّلها الآخرون عنّا

*)*

هروبُ أبديٌّ هو كلُّ ما نفعلهُ، من الفقدِ النهائيِّ المؤلمِ لذاكَ العيش الدافئِ البليدِ الرّخوِ الغامضِ المُتَخَيّل اللامُدركِ، المحسوسِ، المَدعوّ “قبل أن يحدث هذا”
منَ العدمْ

*(*

العدمُ ليسَ قبل الموتْ
ليسَ بعد الموتْ
ليسَ الموتْ
حتّى أنّه ليس مَيْتَاً
العدمُ موجودٌ وحَيّ
كونٌ كاملٌ منفلتٌ لم يطأهُ العقلُ البشريّ بعدْ
وجاهداً لا يكلُّ الفنُّ عن محاولاتِ مُحاكاتهْ

*)*

كونٌ كاملٌ منفلتٌ لم يطأهُ العقلُ البشريّ بعد
في الأعماق المجهولةِ للمحيطاتِ، حيث الحواسُ فقطْ تغوصُ في صمتِها، لا تَلتقطُ غيرهْ
في العتمةِ النّسبية للفضاءِ، حيثُ اللاجاذبيّة
كأن تتخيّلَ أنّكَ تغادرُ سفينةَ فضاءٍ، لتسبحَ بعيداً في ذاكِ العماءِ اللامتناهي، الحرِّ، المُترَابطِ خِفيَةً بِشِعريّةِ الفوضى
وعدمٌ مجازيٌّ أن تكونَ منذُ الولادة فاقداً لكلِّ الحواسْ
منساباً في عماءِ ذاتكْ
لا تدركُ أو تشعرُ أو تعي شيئاً
نبضكَ فقطْ
ترقصُ عليهِ ذاتكَ الطفلةُ في كَونِها الخاصّ
وإذ تنامُ
تسترجعُ الخيالَ اللّحظيَّ اللاتراكميَّ للحواسْ
تسترجعُ ديمومةَ الدّهشةْ
تبصرُ كلّ شيءٍ بلا بَصرْ
تسمعُ كاملَ الأصواتِ بلا سَمعْ
تشمُّ الروائحَ جميعها، دون شمّ
تَذوقُ لا نهائيّةَ النكهاتِ، دون تذوّقْ
تَلمسُ الموجوداتِ كلّها، دون لَمْس
وتعي لاشعورياً أنْ لا شيءَ خارجكَ سوى الوهمْ.

*(*

العدمُ أحلامُنا التي لا نتَذكّرهَا إذ نياماً نكونْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *