كيفَ زرعْنَا شتْلةَ حُزنٍٍ

البارحة، ونادراً ما أرَى الأحلامْ
رأيتُ حلماً طويلاً جداً، عن حَارتِنا الصّغيرةْ
الكلُّ في الزمنِ الحاضرْ، بأجسادِ الحَاضرْ، بِقسوَةِ الحَاضرْ
وأنَا، طفلٌ بكلِّ ما فيَّ،
غبيٌّ صغيرٌ مندهشْ، وأرَى الجميعْ
كانتْ أمّي في كلِّ تفاصيلِ الحلمْ، لكنّي لا أرَاها
كلُّ المنامِ الطويلِ جداً، ولم أرَ أمّي،
أسمع صوَتها، 
كلُّ من في المنامِ يرونَها، يُنادونَ اسْمَها، يُكلّمونَها، ولا أرَاها
ماتتْ، في ذاكرتِي، كأنّها ماتتْ، أمْ نسيتُ شَكلَها، 
أو ربما لشدّةِ اشْتياقي، لم أجرؤْ على رؤيتِها، 
لا أعرفْ
لم أبكِ في الحلمْ، لكنّي حينَ استيقظتُ بكيتْ
عرفتُ بأنّ في داخلي قاتلاً بارداً، ينمو شيئاً فشيئاً

*)*

وعند َ الرّحيلِ
نعرفُ كيفَ ندفنُ ” بُقجَةَ” دمعٍ في قلبِ أحدٍ نحبّه، 
نتركُ رائحةَ حُزننا، سنّاً أكله التّسوسُ، فروةَ رأسٍ لحلمٍ قتلناهُ قتلاً رحيماً
نعرفُ كيفَ يقتاتُ جَرَبُ السّنينِ أرواحَنا،
ونحنُ نحشرُ أجسادَنا في الزّوايا بانتظارِ لا شَيء
كيفَ قَفزنا من أعلى الجبالِ وطِرنَا برفقةِ سَربٍ من الغربانِ 
وحطّتْ رَحانا على جرفِ جثةْ
كيفَ أنفقنا كل هذا التّراثَ القديمَ، تراثَ الوجعِ، بالمللْ
كيفَ يصيرُ الناسُ مجرّدَ أصواتٍ فوضويّة في سمفونيّةِ الذّاكرةْ 
وكيف تهربُ منّا كلّ الوجوهْ
كيفَ زرعنَا شتلةَ حزنٍ في تربةِ القلبِ تنمو ببطءٍ شديدٍ 
تُسقى ببعض الموسيقا وبعضِ الذهولْ
وتقطُفها بسمةٌ كاذبة
كيفَ قَتلْنا آباءنَا بالبَساطةْ
ذاتُ البساطةِ التي أقفلَ الدربُ بها آخرَ مقبرةٍ للعَاطفةْ
كيفَ ذرَفنا أمهاتِنا من أصغرِ شعيراتِنا الدمويّةْ
وكيفَ على حينِ، رَحلنا

*(*

– هل نَذهبْ !!
– نَذهبْ، ونُصبحُ ذَهَباً داكناً دونَ بَريقْ، خلخالَ فضّةْ في قدمٍ تَأكُلها الغرغرينا
– هل حَدَثْنَا بعدُ؟؟
– لا، نَحدُثُ لا زلنا، كلَّ يومٍ، ما دامَ فينا رجفةُ قلبٍ وقشعريرةٌ في الجفنِ، .نَحدُثْ
وحينَ نموتُ نكونُ حَدَثنَا
– واللونُ !! 
المفضّلُ عندَ الغروبِ، لديكَ
– لونُ الغرقْ، 
عند الغروبْ، المياهُ كلّها بلون الغرقْ* 
دفنٌ صامتٌ في امتزاجُ البرتُقاليّ مع زُرقةِ التّعبْ
وأنتِ ؟
– لونُ ابتهاجكَ في مأتمِ الشّمسْ،
– نموتُ اليومَ إذاً، لبعض الوقتِ فقطْ
– مجنونٌ أنتَ، لا
– نموتُ قليلاً، نغيّرُ طعمَ الفجيعةْ
– لا
– نُغّيرُ روتينَ نبضِنا،
– لا لا
– بحياة الله تَعي، أعَانقكِ دائماً مُغمِضَينْ
– وَعدْ !!
– وَعدْ !!
– ويقولون عنّا “حَدَثْنا”
– أجلْ
– وافقتُ، هيّا نموتُ طويلاً 

*)*

* الجملة الواردة في النص ” المياه كلها بلون الغرق ” هي عنوان كتاب للكاتب إميل سيوران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *