………………

“يا زَلمةْ السّوريين بلبنان أو وين ماكان، بتحسّون مميزين، مدري كيف، لبسون مشيتون شعرون، .بَعرفونْ من تَطليعةْ وهنّن مارّين بالشارع أنو سوريين، وبحسّ أنو بيعرفوني، عم بيصِير مَعك هِيك شي”

أجلْ، ربّما، حصلَ معي ذلكَ بدايةً عندَ وصُولي إلى بيروتْ، ببساطةِ العاطِفةْ الصّادقةْ،

لكنّي بعد إعادةِ تفكيرٍ بهذا الموضوعِ الذي لا يَخلو من ألمٍ، بِقدرِ ما يُشبِعُ نرجسيّةً “هوياتيّةً قطيعيّةً” فينا،

وصلتُ إلى اعتقادٍ بأنَّ من نُميّزهمْ في الشّوارعْ، ونشعرُ أنّهم يُميّزوننا، ليسُوا السوريينَ فقط، إنّما المَقهُورونَ، كلُّ المقهورينَ، لكنّنا لم نكن نميّزهم ونراهمْ قبل ما حلّ بنا نحنُ “السّوريين”،

لم نكنْ سابقاً، على ما يبدو، بحاجةٍ لأنْ نميّزَ أحداً أو يميّزنا أحدْ، كنّا نشعرُ بالأمانْ، لم نكن قد قُهِرنا بعدُ، حالُنا حالُ جميعِ الشعوبِ التي لم تقهرْ بعدْ

والموضوعُ في سببِ التّمييزِ هذا، لا يتعلقُ حتماً باللّباس أو بطريقةِ المشي أو تسريحةِ الشَّعرْ

إنّهُ يكمنُ هناكْ، في حدقةِ العينْ،

أعتقدُ أنّنا حينَ تُقهرُ، بَريقٌ مَا يختفي، في حدقة العينْ، وبريقٌ آخرُ يأتي، كلُّ المقهورينَ يُميّزونَ بعضهمْ بالعيونْ

– فهمتْ عليكْ قَصدكْ العِين مَغرَفة الكَلامْ

– لا، أقصدُ أنَّ العين مِغرفةُ القهرِ

ربّما يكونُ ما يسمّونه اليوم بـ “بصمةِ العينِ” هو أصدقُ البَصماتِ لنا، حينَ نُقهرُ وننظرُ في عيونِ النّاسِ، نحبُّ أنْ نَرى فيها ما يُواسِينا وما يُشبِهنا، في حينِ كُنّا نهربُ من النظرِ إلى عيونهمْ قبلَ ذلكَ القهرْ

هذا “التّميّزُ” الذي تشعرُ من خِلاله أنّك تميّزُ هويّةَ أناسٍ في الشّارع وتحسُّ انتماءكَ لهم، كنتَ ستراهُ نفسهُ لو حاولتَ قبلَ قهركَ، أن تنظرَ في عيونِ أبناءِ إفريقيا كلّهمْ مثلاً، وخاصّةً الصّغارَ

ليس الاستجداءُ أو اسْتدرارُ الشّفقةِ ما كنتَ ستَراهُ في عُيونهمْ، بل المُحاكمةْ

ستشعرُ أن عُيونَهمْ تقولُ لكْ: “أعرفُ أنكَ شبعانٌ وسعيدٌ إلى حدٍّ ما، وأعرفُ أنّكَ تعرفُ أنّي أموتُ جوعاً، لهذا أنظرُ إليكْ، فقط لأذكّركَ بحالِ كِلينا، من بابِ أنّنا للأسفِ نتقاسمُ ذاتَ الكوكبْ “

واليوم، نتقاسمُ ذاتَ القهرِ :

مع بعضِنا البعضِ كـ”سوريّينَ”

مع الفلسطينين الذين لم نكنْ نقوى على النظرِ في عيونهم في سوريا، أو كنّا نسخرُ من “نوستالجياهمْ”

مع الفلبينيينَ، الذين كنّا حينَ نسمعُ لَفظةَ “فلبّينيّ” نظنّها كـ “الصّفّوريّ”، مهنةً لا هويّة، مؤلمٌ أن تصبحَ مهنتكَ هويةً لكْ، كألمِ أنْ يصبحَ قهركَ هويتكْ

مع الهنودِ الذين كنّا نظنّهم جميعاً إما سحرةً يستطيعون تحويل الحجارةِ إلى ذهبْ، أو بوليوديين يعيشونَ حياةً سرياليّةً كالأفلامْ

مع الأفغانِ الذينَ لم نَعلمْ أنّهم لَيسوا جَميعاً “الملّا عمر”، إلّا بعد أن صار يُنظرُ إلينا جميعاً أنّنا “البغداي” أو “الجولاني”

مع التايلانديينْ، الذين لم نكنْ نرى فيهم سوى شواذاً

مع الصرب والشيشانِ وشعوب البلقان، الذين لم نكن نرى في نِسائهمْ إلا راقِصاتِ تعرٍّ

مع، ومع، ومع..

كلّهمْ باتوا أقربَ إلينا، بعدَ أن أصبحنّا أقربَ إلى أنفُسِنا، 

لهِذا إذا حَدثَ وانتَهى قَهرُنا يوماً، .

لا تنسَ أن تنظرَ دائماً إلى عيونِ النّاسِ، سَترى كم لا زالوا يشبهونكْ رغم قهرهمْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *