جُمجمَة

في رغبةٍ قديمةٍ لديَّ
قررتُ اليومَ الذهابَ في رحلةِ اسْتكشافٍ، إلى أحدِ النّقاطِ الحسّاسةِ في جمجمةِ قتيلٍ طازجْ
تقلّصتُ بحجمِ جرثومةٍ، بعدَ أن شربتُ وصفةَ ” أليس في بلادِ العجائبِ” التي سرقتُها يوماً من أحلامِ شقيقتي الصُّغرى، أخذتُ دوشَ مياهٍ باردةٍ، تنحنحتُ قليلاً، خلَعتُ حِذائي
– خلّصْنا ولَك الله شُو بدّك تحكِيلنا قصّة حَياتك هَلّا، شُو رايحْ تستَشهدْ
– المُهمْ، دخلتُ العينَ، بحثاً عن الهَدفْ
فورَ دُخولي، انزلقتُ على جَرفِ مِحَجرِها اللّزجِ بِسرعةٍ هائلةْ
طِرتُ في الهواءِ بحَركةٍ بَهلوانيّة، ثمَّ سقطتُ بين خيوطِ “الشبكيّةِ”، كانتْ مليئةً بعناكبَ نشيطة، تكدُّ في تركيبِ الصورِ مع بعضها، لِصنعِ مشهدٍ ما، وتعليقهِ على جدارِ الذّاكرةِ المُحتّشدِ باللّوحاتْ، لم تَستوقِفني أيّةُ لوحةٍ منها، لا دهشةَ فيها، .كنتُ أملكُ جَميعها تقريباً
خِفتُ قليلاً من العناكبِ، لكنَّها لم تَكترثْ بي
وبعد كثيرِ من التّخبّطِ، خرجتُ بصعوبةٍ من ذاك التّكوينِ المُخاطيّ، وإذ بي أمام مرآةٍ ضخمةٍ تُشوّهُ الانعكاسْ
فتحتُ خريطةَ العينِ التي كانت بِحوزتَي، فعرفتُ أنّي وصلتُ إلى “الجسمِ البلّوريّ”، قمتُ ببعضِ الوجوهِ المضحكةِ أمامهُ، ضحكتُ قليلاً، وتابعتُ المسيرْ
لأجدَ نفسي بعد قليلٍ، أمام فتحةٍ سوداءَ تَحرسُها خفافيشُ بعيونٍ حمراءْ
التقطتُ أنفاسي، زحفتُ على بطني كدودةٍ صغيرةْ، كنتُ أعتقدُ أن الخفافيشَ لا تحبُّ الديدانَ، ويبدو أنّي كنت مُصيباً
وأخيراً وصلتُ الهدفْ، النّقطةُ العمياءْ باتَتْ أمَامي تماماً، شَعرتُ كَمن يقفُ على جرفِ هاويةٍ، متردّداً بين البقاءِ أو القفزِ،
وبِفضلِ نَزعتِي الإنتحاريّةِ، قفزتُ دَاخلها
كانتْ بحيرةً واسعةً، بالأحرى بحراً هائجاً بدأ بشدّي إلى زبدهِ، ورغمَ أنّي بارعٌ في السّباحةِ، لكنّني كنتُ محتاطاً بدافعٍ غريزيٍّ بـ “جنطِ” جّرافة، خوفاً من الغرقْ، كنتُ أشعرُ بأن النّقطةَ السوداءَ، ستكونُ كالثّقب الأسودِ، محتشدةً بهيولى مشاهدَ أكثرَ من تلكَ التي خزّنتها فُصيصاتُ الدّماغِ في مسيرةِ الواقعِ الوهمْ.
كانَ الصّفاءُ مخيفاً في مائِها، لم أرَ ذكريات ِحياةٍ، هناكَ،
بلْ ذكرياتِ الأحلامْ
أحلامِ اليقظة، وحياةٍ ربما عاشَها صَاحبها خلسةً في قَيلولاتِ ما بَعدَ الظهيرةْ، وتأمّلاتِ التَّكوّمِ المُوحشِ في زوايا الغُرف الرّماديّةِ العَفنةِ، الضّيقةْ
رأيتُ أطفالاً عراةً بِلحى يَملؤُها الشّيبُ، يركضونَ بسعادةٍ مع أحذيةٍ رسميةٍّ في أقدامِهم، يلوّنونَ عتباتِ البيوتِ بِبولهمِ، ويتغوّطونَ على أبوابِ المدارسْ
رأيتُ بشراً مَلجومينَ إلى عرباتٍ، يجرّونَ فيها كلاباً سوداءَ تَنبحُ وتَبكي
حاراتٍ مزفّتةً بطّحالبَ مخمليةٍ، تتمَشَّى عليها أمّهاتٌ بلا أرحامٍ، يَندبنَ قتيلاً، ابناً فُقِدَ دونَ أن يولدْ
رأيتُ فتياتٍ بأثداءَ صغيرةْ، وخِصلِ شَعرٍ كأشواكِ القنفذِ، يقطعنَ أثداءهنّ بالسّكاكينِ، دون ألمٍ أو دماءٍ، يَنفخنَها من الحُلماتِ كالبوالين، يُطيرْنَها في الهَواءِ، ثمّ يَتبارينَ على إصابتِها بالأشواكْ
رأيتُ شبابيكَ وحِيدةً، مُعلّقةً في الهواءِ، تُطلُّ منها رؤوسٌ بلا أجسادْ
رأيتُ سجائرَ لها وجُوهٌ وأقدامٌ، تتمشّى في الشّوارعِ، تتناقشُ في الفلسفةِ والكون والشّعرِ والسّرطانْ، وفي زاويةِ فمِ كلٍّ منها جنرالٌ مشتعلٌ برتبةِ سِيكارةْ
رأيتُ حقولاً منَ الدّوالي، تَحملُ عناقيدَ زجَاجاتٍ، لأنواعٍ غريبةٍ من الخمرِ، في قعرِ كلٍّ منها جنينٌ ميتْ
سهولاً مكسوّةً بجلودِ الحيتانِ، ينزُّ من فتحَاتِها التّنفّسيةِ دخانٌ أسودٌ، ونفاياتُ المعاملِ الحراريّةْ
أشجاراً بجذوعٍ ضخمةٍ على هيئةِ صَواريخَ عابرةٍ للقارّاتِ، أغصانُها تتفرّعُ بأنواعِ الأسلحةِ الخفيفةِ والمتوسّطة، والوريقاتُ كانتْ أطرافاً بشريّةً وأشلاءْ
رأيتُ جسوراً طويلةً، تعبُرها قوافلُ من أرغفةِ الخبزِ، تمتدُّ من قُرى مُهدَّمة، ، إلى سُرّةِ كِرشٍ ضخمٍ تفوحُ منهُ رائحةُ نفاياتِ المدنْ
كانَ للأرغفةِ ملامحُ وجوهٍ حزينةٍ، تصرخُ بصوتٍ واحدٍ: أوقفوا الحصارْ، أوقِفُوا الحصارْ، أوقِفُوا الحِصارْ، أوقِفُوا الحِصارْ
رأيتُ جبالاً بحواجِبَ كثيفةْ، وشرايينَ شَفّافةٍ تبرزُ بشّدةٍ من تَضاريسِها، تنبضُ بعنفٍ بسوائلَ سوداءَ، فتُزلزلُ اليَابسةَ تحتَ قدميْ
تراجعتُ برعبٍ عدّةَ خطواتٍ إلى الوراءِ، سقطتُ أرضاً، رَأسي على حجرٍ مدبّب، أُغميّ عليَّ قليلاً، وحينَ صحوتُ، كنتُ في الفضاءِ الخارجيِّ أنظرُ عبر “تيليسكوبٍّ ” ضخمٍ إلى كوكبِ الأرضْ
كانتِ النُّقطةُ العمياءُ على مَا يبدو، الصُّورةَ “النّيكاتِيفْ”، لِكوكَبنا الملوّنِ قبلَ تَحمِيضِها بِمختبراتِ التّكنولوجيا،
التقطتُ من الفضاءِ عبر التيليسكوب صورةَ “سيلفي” وكَوكبنا الرهيبُ خَلفي،
وقفزتُ في الفراغْ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *