في نقد “إبداعات” الثورة السورية

لاشكَّ أنّنا جميعاً، نملكُ شعوراً ومشاعراً وقصّةً مهمّة في حياتِنا، لأنْ لا حياةَ ليستْ مهمّةْ، الذّبابُ يملكُ ذلكَ، الكلابُ والفيلةْ أيضاً، وربّما تكونُ قصصهمْ أكثرُ إثارةً من التي لدينا، لكنّهم على خِلافنا، لا نسمعُ بينهمْ فيلاً طارَ، أو ذبابةً تعوي، أو كلباً له خرطومْ

****

ثمَّ أن نحبَّ كتابةَ أو رسمَ أو صنع فيلمٍ أو موسيقى أو مسرحٍ عن قصّتنا و”مشاعييرنا”، لا بأسَ بذلك أيضاً، كلّنا نحبُّ المشاركةَ ” إجتماعيون بطبيعتنا”.

لكن أن نقتنعَ فجأةً، نتيجةَ وجود ثورةٍ أو حربٍ في بلادنا، وشروخٍ وجوديةٍ، عَرَضيّة، نتائِجيّة، “لا بنيويّة” في دواخِلنا، ثمَّ بَسطاتٍ مجانيةَ السّويةِ، مدفوعةَ المواد (مشَايلة) تنشرُ لأمثالِنا.

أن نقتنعَ بسبب كلِّ هذا فقطْ، أنّنا نستطيعُ أن نكون كتّاباً وسينمائيين ومسرحيين وتشكيليين وصحفيين، ونتجرأ بعد هذا أن نضع تحت نصوصنا أو مقالاتنا (كاتب وصحفي وشاعر و و و ) ذاكَ لا شكَّ إرهابٌ وسُلطةٌ، تجعل بشكلٍ ذكيٍّ، الكاتب والنّصَّ، ضدّ النقدْ، في لاوعي القارئ.

هي متلازمةٌ أخرى، تُشبه متلازمةَ (الشهيد الرائد الركن المهندس المظلي )، في الأولى ترجمتها (صديق المحرر) وفي الثانية (ابن رئيس)

تلك مشكلةٌ ثقافيّةٌ عميقةٌ، تشبهُ (الوزير يلي ما معو غير تاسعْ في ظلّ البعث).

****

وأخطرُ طَرفي هذه المشكلة، ليسَ من يرضى أن يُعرِّفَ نفسه أو يُعرَّفَ بذلك، فهو لا شكَّ كأيّ منّا يحبُّ الصفاتَ والنعوتَ قبل اسمِه (الأنَا لا تشبعْ)، والاسم مُجرّدٌ، مخيفٌ ووحيدْ

بل إنَّ خطورةُ المشكلة تكمنُ في القيّمينَ على المنابرْ، الذين لم يكتَفوا بقبولُ نصوصٍ أو موادٍ صحفيَّةٍ أو بصريَّةٍ رديئة، لا بل وصلَ بهم الأمرُ إلى استسهالِ وضعِ تلك الصفات قبل أسماءِ أصحابِها.

وهنا سأتكّلم عن الكتابة تحديداً، لأنّها الأكثرُ استسهَالاً من جميعِ المجالاتِ الإبداعيّةِ الأخرى ( قصّة ولغة وبَسطةٌ إلكترونيّة) تصبحُ كاتباً، بينما المجالات الأخرى إضافةً للرؤيا، تحتاج مواداً وتقنياتٍ وتراكماً ما، يتعلّق بجانبيها الصّنعاتِيّ والمادّي.

****

أن أقرأ “كاتب هندي” أسفلَ نصٍّ منشورْ، فهنا سأظنُّ مباشرةً أنّه يكتب في مجالاتٍ عدّة، وقد يكون له موادُ صحفيةُ كل فترة وأخرى، لن يفاجئني ذلكْ

أن أقرأ “صحفي صيني”، سأفكّرُ في نفسي هو شخصٌ يمتهن الصّحافة وقد يكون له محاولاته الأدبية أحياناً، ولن أتفاجأ بها أيضاً

صحفيّ، شاعر، روائي، قاصّ، مفكّر، باحث، فيلسوف، ناقد إلخ إلخ، كلّها ضمناً تعني، “كاتبٌ” في المجال الذي يحملُ الشخصُ صفتهُ.

أما “كاتب” وحدها، فهي كلمةْ كبيرة وشاسعةْ، ولها مُستَحقّيها بالطبع، الذينَ يتعاطونَ مجموعةٍ متنوعةٍ من الأصنافِ الكتابية، تميلُ للأدبية في معظمها.

شاعر وصحفيّ وكاتبْ، كاتب وروائي وصحفي، لا مشكلةَ أن تتقنَ كل صفاتك تلكَ، لكن ذاتكَ أمامَ نفسكَ، بماذا تُعرّفها،

****

تخيّل أن تكتشفَ في الثلاثين أنّك كاتبْ، ولا أقولُ أن لا تكتبَ حتّى الثلاثين، فشرطُ الكتابة ليسَ النّشرْ، الزواج ربّما شرطهُ الإشهارُ، أمّا الكتابةُ فشيءٌ آخرْ .

محمد شكري كمثالٍ، عاش حياةً شعريّةً كمبدعٍ مختلٍّ مع الكونْ وكانَ أمّياً، وحينَ امتلكَ اللغةَ في نهايةِ عشرينيّاتهْ، بكلِّ بساطةٍ حوَّلَ بصدقٍ ودون رتوشٍ، عاميّةَ حياتهِ إلى فَصاحةِ اللغة، ولو لمْ يفعلْ ذلكْ هل كانت ستنتفِي عنهُ صفة الإبداعْ، لا أعتقدُ ذلك، ربما ما كنّا سمعنا بهْ، نعمْ

لكنَّ عدم معرفَتنا أو إحسَاسنا بشيءٍ لا يعني عَدم وجودهْ.

****

نزار قباني على ردَاءتهِ كان مقتنعاً بنفسهِ وبِشعرهِ ومقنعاً لجمهورهْ، عرّفَ نفسه كشاعرٍ، لا كمحامي وشاعر، ثمّ في قصته لا بأس بالطبع أن نقرأ أنّه درس الحقوق أو كانَ مثليّاً، أو أي شيءً آخر.

أن تُعرّفَ نفسكَ كــ مهندس وكاتب، أو طبيب وكاتب، في أسفلِ نصّكْ، يعني أنّ تعريفك لنفسكّ ككاتب لا يكفيك، يشي بأنّك نفسَك غيرُ مقتنعٍ بتلكَ الصّفة، تَشعر بها في عَميقك أنّها غير كافيةٍ لتواجهَ بها العالمَ بنصّكْ، فكيفَ ستقنعُ القارئ بها .

هذا التعريفُ للذّاتِ لا يختلفُ كثيراً عن أنْ تعرِّفَ نفسكَ كشاعرٍ وحرّيف تريكس مثلاً .

وبالطبع لا أعني هنا مشكلةً بوجودِ كاتبٍ درس الطبَّ أو يبيعُ الفلافلْ ذلكَ قد يجعلهُ أكثرَ غنىً أدبياً، لكن تلك الصّفاتُ الأخرى، لا حاجةَ لي كقارئٍ بها، طبيب بولية أو فلافل أبو العبد، تضعُها قبل اسمكَ على لوحةٍ خارجَ عيادتك أو محلّك، في الطريقْ.

ما من أحدٍ يقرأ نصّاً أو مقالاً أو روايةً، للاستشفاء من مرضٍ عضويٍّ ما، أو بحثاً عن سندويشة فلافل بلا مخلّلْ

ما أريد قوله، أنَّ الشأن العامَّ على اختلاف طرائقِ تداوله الفكرية والأدبية والفلسفية والفنية والشعرية وحتى السياسية، هو اختصاصٌ كغيرهْ، أن تكونَ مثقّفاً أو مهتماً بالشأن العام وتحبُّ التحدث عنه إضافةً إلى اختصاصك الطبيعيّ في حياتكَ الطبيعية، لا بأس بذلك، مَثَلكَ كَمَثلِ مفكرٍ أو كاتبٍ يملك معلوماتٍ عامةٍ عن الطب أو الهندسة.

لكنْ أن تعتقد أن حصولَ ألمٍ وخللٍ وجوديٍّ مؤقّتين في حياتكَ، نتيجة حدوثِ ثورةٍ أو حربٍ في بلادكْ، تسمحُ لكَ بممارسة الكتابة، فإنَّك بذلك تسمحُ، دونَ أن تشعرَ، لكلِّ من يملك معلوماتٍ عامة ٍ عن الطبّ أن يجري عمليةً جراحيةً اضطراريةً لشخصٍ يموتُ أمامه، أو أن يعمّرَ بيديهِ بناءً لمجموعةِ بشرٍ فقراءَ ينامونَ في العراء.

****

وأمّا الأكثرُ إيلاماً في كلِّ هذا

أنّ المجالاتِ التي لا تحتاجُ لفحصِ مُنتَجِها، سوى للتّذوقِ المباشرِ عبرَ حليماتِ الذّوق في اللسّان، كالطبخ وصناعة الحلويات، باتَ لدَيها، رغم سهولةِ الحكم على مُنتَجها، نظريتها النقدية الخاصّة بها، “الطّبخُ نفَس، مو كلّ مينْ صفّ الصّواني صَار حلواني ” وأقيسُ، ليس كل من يستطيع صفّ كلامٍ جيدٍ أو مجموعةَ فيديوهاتٍ جيّدة أو مجموعة ألوانٍ خلّابة، ومن ثمّ يطلقُ أسماءً جذّابةً لمدرسته الجديدة التي قد لا يفهمها “عموم المتلقين”، ليس كلُّ من يفعل ذلك صار مبدعاً ، 

في المبدأ من يأكل الطعام ( مو ع جوع ) يحكم على من طبخهُ إن كان شيفاً أو لا،

الإبداعُ عندنا للأسف، وحتى الآن لا نظريّةَ نقديّةً واضحةً له، سوى العناوينُ الحَدثَيّة: البكائيةُ أو البطولية، النّوابية أو الدرويشية، بلغة نثريّة تدّعي الحداثة، والخروجِ من العباءةْ، يرافقها بالطبع “باديغاردات” الشِلَليّةِ والشّلليّةْ ،.

هل من أحدٍ اليوم يستطيعُ في العربي الجديد مثلاً أن يكتب نقداً محقّاً منصفاً عن الشاعر أمجد ناصر، أحد محريرها أو مدير تحريرها، لا أعرف تماماً موقعه فيها ،

أو أن ينتقدَ معلقاتِ وإلياذاتِ التيه السّوري للشاعر نوري الجراح،عبر مادة في العرب اللندنية، التي هو نفسهُ مدير تحريرها ،

أو أن يفكّك شعريَّة عباس بيضون في ثقافي السفير

ثلاثتهم قد يحبّون ويرحبونَ بمادتك، وقد لا، 

وقد يكون واحدهمْ فعلاً (منيح ويلي حواليه عرصاتْ)

لكنكَ في كلتا الحالتين ستجدُ ألفَ شبيحِ ثقافةٍ يأكل ويشربُ من تلك المنابر وغيرها، يعضّكَ بسيوف أقلامهْ، وسينتصرُ عليكَ طبعاً ، لديهِ كلُّ المنابر، ولديك عواءكَ الخاصُّ فقطْ،

وبعد كلِّ هذا نلومُ قادةً سياسيين في أنظمةٍ لم ترقَ سياستها وسياسيّوها بعد، لفكرةِ النقد والنقد الذاتي، على قصفنا بالبراميلْ

أعزائي ممن يمسهم هذا الكلام كلّه، ولا يتقبّلونه بصدرٍ رحب، أؤمن لو أن لديك براميلاً متفجرة وتملكون سلطةً وجيشاً، لن تفعلوا أفضلَ مما يفعلهُ قادتنا “المبجّلونْ”

فعلاً القلم بندقيةْ

****

بالطبع إلى جمهورِ من أعني، أعلمُ جوعَ المشاعرْ، جوعَ البلادْ، جوع الإنتماءْ، جوعَ الحرية، جوعَ الأقارب والأصدقاء، جوعَ أن نرى ونسمعَ ونقرأ قِصصنا كلّنا، قِصص ألمنا السوريّ المتشظّي، لدينا اليوم 24 مليون روايةَ وفيلماً وقصةً ولوحةً، كلنا لديه قصّة يتمنى رؤيتها تقال أو تُصنعُ فيلماً أو لوحةْ، لكن كرمى لمن ماتْ، مو كلشي ع الجوع طيبْ ، وقبولنا لهذه الأطباق الرديئة من الأدب والفنون، من منطلق ثوريتها ومساسها لجرحنا، لا يختلف عن قبول داعش أو جبهة النصرة في بدايتها، من منطلق ثوريتها ومساسها لمشاعر دينيةٍ ما.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *