……………………..

ولو أملكُ الجرأةَ، جرأةَ قاتلٍ مختلٍّ، لساعةٍ من الزّمنْ

كي أفقأَ عينيَّ، أقطعَ لساني، أثقبَ غشائَيْ الطّبلِ في أذنيّ، أجدَعُ أنفي،. وأقشِّرُ جلدي كلّهُ كحبّةِ تينٍ بريّة

أتخلصُ من هذا الاتصال القسريّ مع الكونِ بالحَواسْ

مولداتِ الذّاكرةْ

وأحتفظُ بالحسِّ فقط، 

الصوتُ الدّاخليُ الرّطبُ كوسادةٍ من غيمٍ أسودٍ لم يُمطرْ بعدْ

العتمةُ المضيئةْ

المزهرةُ كصبّارةٍ يتيمةٍ في هذا المأتمِ المتصحّرِ المدعو “قلبْ”

هذا فقطْ ما سأكونُ عليهِ، لو ملكتُ الجرأةَ يوماً

21 غراماً في آلةٍ ميكانيكيةٍ معطوبةْ

تنتظرُ الموتَ بتوقٍ، ليخليَ سبيلَها

****

وحينَ نموتُ، هذا الشيءُ الغريبُ، لا يموتُ، 

نعم، ربما الجسدُ يتعطّلُ، ينطفئُ المحرّكُ، 

وبعد فترة يهترئُ ويتحلّلُ كأيِّ سيارةٍ مركونةٍ منذ عشراتِ السّنينْ

أمّا هذه الزّفرةُ الأخيرةْ

ربما يخرجُ معها شيءٌ غيرُ الهواءْ

شيءٌ اتفقوا جميعاً منذ بدء النّطقِ على تسميتهِ بـ “الرّوحْ”

****

“كم حياةً نعيشْ ؟

كم مرَّةً نموتْ ؟

يُقال أنّنا جميعاً نَخسر 21 غراماً لحظةَ موتِنا، كلُّ واحدٍ منّا،.

21 غراماً !!

كم تساوي الـ 21 غراماً ؟

وزنُ 5 سنتاتٍ، وزنُ لوحِ شوكولا، وزنُ طائرِ الطنّانْ 

ما الذي تساويهِ الـ 21 غرام ؟

ما هي الأشياءُ التي نَفقدُها ؟

متَى نفقدُ الـ 21 غرام ؟

ما الذي يذهبُ مَعها ؟

ما الذي تُعطينا إيّاه ؟

و كم تعُطينا ؟”

بهذه الخاتمة الذكيّةِ والمربكةِ، على لسانِ الرائع بينيشيو دي لتورو في نهاية فيلم “21 grams” للساحر أليخاندرو غونزالس، يعطي الفيلم وجهةَ نظرٍ أخرى عمّا يسمّى بـ “الروح ” دون ذكرها صراحةً.

الرّوحُ التي حتّى الأنبياءُ بكاملِ ادّعاءاتهمْ المعرفية والرّوحانية “المُوحاةْ، ومن خلفهِم “ربُّهم”، تهرّبوا من الإجابةِ عنها ” ويسألونك عن الرّوح، قل علمُها عندَ ربّي”

طيّب، إذا أحبَبنا بكلِّ بساطةٍ أن ندّعي أن لا روحَ هناكْ، وتلك الـ “21 غرام” ما هي إلّا الحسُّ، الحسُّ الخاصُّ لكلِّ منّا، هل تسقطُ بذلك جميع الرّوحانياتْ، على اعتبارِ أنّها سمّيت بذلك على افتراض أنّنا نملكُ روحاً وعلمُها عندّ ربِّ محمدٍ بن عبد اللهْ،

****

اختلفت الحضارات فما اختلفت، بالتمييز بين الروح والنفس الإنسانية، فكانت الحضارة الفرعونية سبّاقة على “الكتب السماوية المقدسة”، باستخدام ثلاث كلمات هي “كا” و”با” و”آخ” للتعبير عن “الروح”.

وبحسب ما جاء في كتاب “موسوعة الحضارة المصرية القديمة”، فإن كلمة “البا” كانت تُرسم على هيئة طير أو طير له رأس إنسان.

وإبتداءً من الأسرة الثامنة عشرة عند الفراعنة، بدأت الروح تلعب دوراً مهماً فى عقيدة المصريين الدينية، فكانوا يعتقدون بأن الروح تفارق الجسد عند الموت، ولكنها تظل تحوم حوله طوال الوقت ولا تترك القبر.

وكانوا يرسمونُ الحمامةَ التي تدلُّ عن “الروح” وهي تشرب من صهريجِ ماءٍ أو تستظلُّ بالأشجارِ بجوار القبرِ أو تطيرُ فوق جسدِ صاحبها، للدّلالةِ عن التصَاقِها به بعد وَفاتِه.

****

ويمكن اعتبارُ “الجيفا” “Jiva” في الهِندوسيّة مُرادفاً لمفهومِ الرّوحْ، وهي حسبَ المعتقدِ الهندوسي : “الكينونةُ الخالدةُ للكائناتِ الحيّة” وهناك مصطلحٌ هندوسيٌّ آخرٌ يدعى “مايا” ويمكنُ تعريفها كقيمةٍ جسديةٍ ومعنويةٍ مؤقتةٍ وغيرُ خالدةْ، لها ارتباطٌ وثيقٌ بالحياةِ اليوميّةْ، ويبدو أنّ المايا شَبيه بمفهوم النَّفْسِ في بعض الدياناتِ الأخرى، واستناداً على هذا فإن “الجيفا” ليستْ مرتبطةً بالجسدْ أو بأيّ قيمةٍ أرضيةْ، ولكنها في الوقت نفسهِ أساسُ الكينونةْ

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

واستناداً إلى العقيدةِ البوذيّةِ فإنّ كلَّ شيءٍ في حالة حركةٍ مستمرةٍ، والاعتقادُ بكينونةٍ ثابتةٍ أو خالدةٍ على هيئة “الروح” هو عبارةٌ عن وهمٍ يؤديّ بالإنسان إلى صراعٍ داخليٍّ واجتماعيٍّ وسياسيٍّ. 

والكائناتُ بحسبِ البوذيَّةِ تنقسم إلى خمسةِ مفاهيم: الهيئةُ (الجِسمانية)، الحواسُ، الإدراكُ، الكارمَا (الأفعالُ التي يقومُ بها الكائنُ الحيُّ، والعواقبُ الأخلاقيةُ الناتجةُ عنها) والضمير .

وهذه الأجزاء الخمسةُ يمكن اعتبارهُا مرادفةً لمفهوم “الروح” وعليه فإن الإنسانَ هو مجرَّدُ اتّحادٍ زمنيٍّ طارئٍ لهذه المفاهيمْ، وهو معرّضٌ بالتّالي للـ”لا استمرارية” وعدمِ التّواصلِ . الهدفُ الأسمى بحسبِ البوذيّة هو التَّحرّرُ التّامُ عبر كَسرِ دورةِ الحياةِ والانبعاثِ، والتّخلصِ من الآلام ِوالمعاناةِ التي تَحملها. 

وبما أن الكارما هي عواقبُ الأفعالِ التي يقومُ الأشخاصُ بها، فلا خلاصَ للكائنِ ما دامتْ الكارما موجودة.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

العلامةُ التي فوقَ رأسِ الفرعونِ هي رمزُ الـ “كا ” الرّوح الخاصة بالفراعنة فقطْ

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *