هجوم باريس، جثّة سوريا وحظيرة الخنازير

لكي لا يخرجنَّ أحدٌ عليّ بخطابٍ عريضٍ عن “الأنسَنةْ”، ويفترض فيَّ أنني أتكلم كسوريّ / ضحيّة، بداية أقول : طز في ضَحايَا سوريا جميعاً، ولن أعتذرَ لأحدٍ عمّا سأقولُ، ولستُ سوريّاً فيما سأقولُ، ولا أدّعي الكونيّةَ فيهِ أيضاً 

سأقولهُ كإنسانِ غَابْ إن أحبَبتمْ :

كنتُ أفتحُ اليوتيوبَ في الأمس، فتفاجأتُ بأنَّ كلمة “Tube” لُوِّنَتْ بألوانِ علمِ فرنسا، قلتُ لنفسي الأمّارةَ بالمؤامراتِ، كفى، ربمّا اشترَتْ فرنسا الموقعْ 

لكن فجأةً، عادَ الشريطُ، شريطُ البصرِ في رأسي، إلى هذا الصّباحْ

****

صباحاً شربتُ القهوةَ على إطلالةِ المشهدِ الأخضرِ على الفيس بوكْ، والذي يفيدُ بأنَّ حالةَ فلانٍ وعلتانٍ وهشلانٍ من أصدقاءكَ “i am safety”، قلتُ لنفسي : “مارك زوغربيرغ عَجِي مبعّصْ” يقومِ بحركاتِ سَسبنس لتحريكِ جوِّ موقعهِ، بعد قليلٍ أتفاجأُ بعرضٍ أحسستُهُ، للحظةٍ، كالعروضِ التجاريّةِ، بوجودِ خيارٍ لوضعِ علمِ فرنسا على صورتكْ، عدتُ وقلت لنفسي “العجي المبعّص آخدلو قرشين ع السّيرة ” ..

لكن حينَ رأيتُ ذلك على اليوتيوب، وتذكّرتُ أيضاً أن الكثيرَ من الأصدقاء، قَبلوا بعرضِ زوغربيرغ وزيّنوا صورهمْ بعلمْ فرنسا، وسمعتُ الروايةَ الأوليّةَ، التي لا تَرقى لسويّة روايَات “علي مملوك وآصف شوكت وعلي دوبا” عن مُرتكبي تَفجيراتِ باريس، وسردةَ جواز السفرِ السّوري “المضادْ للدروع” الذي وجِدَ في مكانِ التفجيرِ،

ومن ثمَّ، سمعتُ بأنّ المفتي لافروف، البارحةْ، افتتحَ مؤتمرَ فيينا، عن سوريا، لغيرِ السّوريين، بقراءةِ الفاتحة وبعض آياتٍ من الذكرِ الحكيمْ على أرواحِ تفجيراتِ باريس، وتفجيراتِ الضّاحيةِ الجنوبية، أحسستُ بفجيعةْ، وليستْ فجيعةَ الظّاهرةِ بحدِّ ذاتِها، بل فجيعةْ ما سيحصلُ في سوريا، أحسستُ بأنَّ كلَّ هذا ليسَ إنسانيةْ (ولا أنكرُ على من وضع العلمَ صدقهُ ودوافعهُ الإنسانية لكن مع السياسية لا يكفي الصدقً، ربما يكفي مع الفنّ)، هو سياسة، هو حشدٌ لحربٍ كونيّةً على “مرتكب الإرهاب” الذي هو في هذه المعادلةِ “السوريُّ / الأفغاني” وليس على الإرهاب كفعلٍ أيّاً كانَ فاعلهْ، هو قرارٌ عالميٌّ بهدرِ دمِ الشعبِ السوري (الذي لسوء حظّهمْ يملكونَ ذات جوازِ سفرِ أحد الفاعلين)، كما أهدرتْ داعش والنصرة، دمَ جماعةٍ كاملةٍ ودمَ أطفَالها في سوريا (حتّى لو تمسّكَ أطفالهم بستارِ الكعبة) لإنتمائها ولاديّاً، وخيارياً عند البعض مِنها، إلى مذهبِ رئيس سوريا

****

لاشكَّ أنَّ تهويلَ مصاب الضّحيةْ (ولا أقول بأن ما حدث ليسَ مصاباً مفجعاً)، واستهلاكِها في الميديا، يهوّلُ إجرامَ فاعلها والحقدَ عليهِ واستباحة دمهِ، وفاعلهَا كما نعرف جميعاً، لن يُحاسبَ كفردٍ في “تنظيمِ الدولةِ” بل كـ “سوريّ” .. 

إنّ وضعَ علمَ فرنسا اليوم، ونحنُ أمامَ مؤتمرٍ دوليٍّ بِخصوصِ “الإرهابْ في سوريا”، وليسَ مأساة الشعبِ السّوريّ وضحاياه،

يُشبهُ وضعَ صورة الرئيس حافظ الأسد في المَحلاتِ والمنازلِ في حملاتِ الاعتقالِ والتّصفيةِ في الثمانينياتْ.. هو فعلٌ سياسيّ.. عن وعيٍ أو دونهْ

يُفترضُ بالسّوريينَ على الأقلِّ، بعدَ ما مرُّوا به، أن يُدركوا، أنَّ أيَّ شيءٍ ينتشرُ بهذهِ السُّرعةِ والعمومِ، هو سِياسةُ وليسَ إنسانيّةْ، فالإنسانيةُ في هذا العصرِ باتتْ شعوراً فرديّاً خاصَّاً، يؤلمُ صاحبهُ في الخَفاءْ..

****

لماذا لم يضعْ أحدٌ من “الإنسانيّينَ”، علمَ مصر أيَّام سالتْ دماءُ المصريّينَ، أو علمَ لبنان حينَ قُتلَ أبرياءٌ فيها، منذُ أيَّامٍ ..

أو حتّى إذا أردتمْ “التأنسُنَ” أكثر، لماذَا لا تُخصّصونَ ال cover photo في صفحاتِ الفيس بوك خاصّتكمْ،وبشكلٍ دائمٍ، لصورةِ قارّةِ إفريقيا كاملةً .. والّتي بِتنا نتعاملُ معَ انقراضِ شُعوبِها البَطيءِ في الحروبِ والمَجاعاتِ .. كَتعامُلِنا معَ انقراضِ نوعِ حشراتٍ مثلاً..ولمْ تَعدْ تَعنِينا كبشرٍ..

ومنْ سيقولُ : ابن دوما رفعَ علمَ برجِ إيفيلْ، أقولُ : ذاكَ ضحيّة ٌحرفيّةٌ، تُواسي ضَحيّةً حَرفيّة. 

أما نحنُ، فَيفتَرضُ بنا كــ ” إنسانيينَ”، أن نكونَ ضحايَا مَجازيينَ للهويَّة، لأنّنا في مجالسِ أُخرى، نتبجَّحُ كـ “يَسارييينَ” بأنَّنا فوقَ تصنيفاتِ الهويّةِ والجنسِيّاتْ..

أمَّا من يَعتبرُ أنَّ واجبهُ تِجاهَ فَرنسا أو غيرِها من دولِ اللّجوءِ، أنْ يضعَ علمَها، عندما يلمُّ بها مصابٌ، لأنّها وفَّرتْ له مكاناً آمناً ليكملَ حياتَه.. فهذهِ سياسةٌ أيضاً..لأنَّهُ إنسانيّاً، أقلُّ واجباتِ مَن يُفلتُ عليكَ الكلابَ لتَنهشكَ أن يؤمِّنَ لكَ سريراً نظيفاً في مَشفى، وإبرَ كزازٍ.

****

غالباً نعرفُ جميعاً أو سمعنا على الأقلِّ، بالحَجْرِ الصّحيّ على منطقةٍ مصابةٍ بوباءٍ مُعدٍ..

سيُفرضُ على شعبِ سوريا، المحاصر أصلاً بجميعِ أطيافه، شيٌ يشبهُ ذلكْ لكن بلا محاولاتِ علاجْ، قتلٌ رحيمٌ فقطْ

سيدخلونَ برّاً … سيدخلونَ برّاً ليس للإطاحةِ بنظامٍ واستئصالِ مفرزاتهِ من الميليشياتِ العسكريةِ، لن يدخلوا كما العراق، سَيدخلون كما أفغانستان.. وهنا لابدَّ من إيفاءِ روسيا حقّها ,والذي يوفيه لها اليوم كل العالم وعلى رأسهم أمريكا بأنها، روسيا، هي العرّاب الأوّل والمؤسّس الحقيقيّ لمهزلة “مكافحة الإرهاب”..

****

في مقطعٍ كوميديٍّ من فيلم “snatch” يقول زعيم عصابةٍ من ذاكَ النّوعِ الّذي لا يَقتلُ بيديِهِ، إنما بأيادٍ داخليّةٍ من محيطِ الهدفْ، يقول : “ستواجهونَ دائماً المشاكل، إذا حاولتمُ التّخلّصَ من جثّةٍ دفعةً واحدةْ، لذا على ما يبدو أفضلَ شيءٍ يمكنُ فعلهُ، هو تقطيعُها إلى ستّةِ أجزاءِ وجمعها معاً، ثم التّخلصُ منها، لأنه ليس من الجيد وضعها في الثلاجة، مخافة أن تعثر أمكم عليها، لقد سمعتُ أنَّ أفضلَ طريقةٍ للتخلّصِ منها، هو إطعامُها للخنازيرْ، سيتوجبُ عليكم تجويعَ الخنازيرِ لعدّةِ أيامٍ، عندها ستصبح تلكَ القطعُ كالكاري لرجلٍ ثملْ، سيتوجب عليكم حلقُ شعرِ الضحيةِ، وخلعُ أسنانهِ، للحفاظِ على سلامةِ الجهازِ الهضميِّ للخنازيرْ، وبعدها سوف تأكلُ الخنازيرُ القطعَ مع العظامِ كأنها زبدةْ،سوف تحتاجونَ إلى 16 خنزيرٍ على الأقلْ لتنهوا المهمّةْ، باستطاعتهم أكل جثة كاملة بوزن 200 رطل، في ثمانية دقائق، ما يعاني أن كل خنزير يستطيع التهام رطلين من اللحم في كل دقيقة، لذا كونوا حذرينَ من أيِّ رجلٍ يملك مزرعةَ خنازير”

الجثة في حديثنا هنا، هي جثّة سوريا وشعبها، خلعوا لهُ أسنانهُ وحلقوا شعرهُ، ويجري الآنَ تقطيعهُ، للتخلّصِ من جثّتهِ، ثمَّ سيجري إطعامهُ للخنازيرِ 

لذا علينا أن نحذرَ من عالمٍ باتَ محكوماً بعصابةٍ من السّياسيينَ القَتَلة، والذينَ يملكونَ حظيرةَ خنازيرٍ في بَاحتهمْ الخَلفية، وهي روسيا..

****

سيدخلونَ لمكافحةِ “الإرهابْ”، والذي يتواجدُ بالنسبةِ لهمْ، في جميعُ الجغرافيا السورية الخاضعةِ لسيطرةِ “المعارضة المسلّحة”، بجميعِ أطيافها وتدرّجَاتها الدّينية، 

وبالتّالي سيدخلونَ على مَن بَقي فيها مِن مَدنيين، والّذين لن يَجدوا خَياراً إلا حَملَ السّلاح للمرّةِ الأولَى في تَاريخ الثّورة، للدّفاعِ عن أنفسهمْ، وهنا سينضمّونَ كخيارٍ لا يملكون سواهُ إلى التنظيماتِ العسكريّة المسيطرةِ على مناطقهمْ، سَيصبحون “إرهاببّينَ”، ودمُ أطفالهمْ مباحٌ “حتّى لو تمسّكوا بسِتارِ مخدعِ بابا الفاتيكان”

سيصبحونَ “إرهابيين”

****

ما يَحدثُ الآن لسوريا والسّوريين، هو تَقسيمٌ شَعبيٌّ على صَعيدين:

داخليٌّ / ديموغرافيٌّ، ودَاخليٌّ -خارجيٌّ / شعبيّ.. 

وكما باتَ اليومَ، بعضُ فلسطينييّ أمريكا وأوروبا، من أحفادِ جِيلِ النَّكبة، ينظرونَ إلى انتفاضاتِ فلسطينِ الحاليّةِ والسَّابقةِ على أنَّها مُخجِلةٌ ومتخلّفةٌ وغيرُ حضاريّة.. 

سينظرُ يوماً، بعضُ أحفادِ سُورييّ اللجوءِ إلى منْ تبقّى في سُوريا، بذاتِ النَّظرةْ..

ومنْ سيقولُ : ” ولوووو، كل هادا رح يوجعو راسونْ السّياسيين والمخابرات بالعالمْ، شو ما عندون شغلة غيرنا”

أقولُ : بالطبعِ هذا ما يفعلونهُ في أوقاتِ عَملهمْ، وليسَ شربُ القهوةِ وفَصفصةُ البزرِ وحلِّ الكلماتِ المتقاطعةْ في أوقاتِ الدّوامِ الرّسمي..

لهذا همْ هناكْ، ونحنُ هنا

****

وأخيراً للتّذكيرِ فقطْ، هذا الفضاءُ الإلكتروني الذي نتورطُ فيهِ جميعاً،اسمهُ “face book” وليسَ “face off”

 

http://www.qrtas.com/2015/11/16

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *