مظاهرةً مليونيّةً من الينابيعَ الصغيرةْ

جميعُنا، بشكلٍ أو بآخرَ، 

نحبُّ تَعميمَ “أمراضِنا النفسيّةِ” على الآخرِين ولصقَها بهمْ 

لنشعرَ أنّنا طبيعيونَ ومعَافونَ، أملاً بأنْ يختفي شعورنَا بالاختلافْ

ونَنسى، أثناءَ ذلكَ، أن الطريقَ الأقصرَ للشعورِ بــ “طبِيعيّـتِـنا”، هو الاعترافُ بأمراضِنا والتّصالحُ معَها، ثمَّ محاولةُ إدارتِها ..

لا مواجَهتُها والرغبةُ بالتّعافي منها..

لأنّها، أمراضُنا، الشيءُ الوحيدُ الطّبيعيُّ فينا، خصوصِيَّتنا، فردانيَتُنا في وجهِ الاستنسَاخِ الشّخصانيّ والقوالبِ النّفسيةِ المُنتَقَاةِ، وشيوعِ المفاهيمِ والتّقييماتِ العامّةْ

هي سيمياءُ الحسِّ الخاصِّ بكلِّ منّا..

هي ما كوَّنَنا يوماً مَا..

الأرشَفةُ الأصدقُ لتفاعُلِ الوجودِ والكونِ معْ حسّنَا الخامِ، البريءِ من هنغاراتِ العقلِ التي نَبدأُ منذُ تعلّمِ النّطقِ العبورَ فيها، مَدْجَنةً تلوَ مَدْجَنةْ

حتّى نصبحَ جميعاً ضمن حظيرةٍ عامّةٍ تدعى “المجتمعْ”

والذي يَتّهمُ كلَّ منْ لا تَتناسبُ مقاساتُ حسّهِ وعقلهِ، مع مقاساتِ الحَظيرةْ، بـ”الجنونْ”

ثمّ يُحاكمُ على ذلكَ، بوضعهِ في أرقَى وأذكَى وأحدثِ المعتقلاتِ “عيادتُ الصّحةِ النّفسيةُ ومشافيها ومناهِجِها”

والتي تُمارس فيها “أدواتٌ علاجيّة ” تبدأُ بعزلِ “المريض” بغرفةٍ ضيّقةْ، ولا تَنتهي بالتَّعذيبِ الجَسدي بِمختلف أنواعِه، في محاولةٍ لإعادتهِ إلى “جادّة الصّواب”

وإذا ما اعتبرنا “الجنونَ” مذهباً لممارسة رأيٍ وفهمٍ خاصّين تجاهَ الوجودِ، فإنَّ تلكَ الممارساتِ لا تختلفُ كثيراً عن التعذيبِ في المعتقلاتِ الأمنيّةِ لكلِّ من يخالفُ السلطةَ “رأيَها”، ليعدلَ عن رأيهِ ويعودَ أيضاً إلى “جادّةِ الصّواب”.

****

نَظروا إلينَا .. 

لم يَستطيعوا النظرَ إلينَا، ومنذُ سحيقِ العُصورِ، إلّا كماءٍ متنوّعٍ ومُربِكْ

بُحيراتْ، بحارْ، أنهارْ، سواقٍ، جداولْ، 

وكانَ خريرنَا يَعلو ..

ويزعجُ النّمطيةَ في مستقبلاتِهمْ العقليةْ

كانَ يصعبُ التَّعاطي معنا وإخضاعُنا ضمن هذا التّنوعْ

فأنشأوا السّدودَ على خلافِها ( أديان، أفكار، عقائد، مناهج، علم نفس، علم مجتمع، أخلاق ..إلخ)، 

والتي يستطيعونَ من خلالها استثمارَ، أو حتّى استغلالَ طاقاَتِنا الدَّاخليةَ، والتَّجكمَ بمساراتِنا الخارجيةْ

وتَعلِيبِنا في عبواتٍ بلاستيكيّةٍ عندَ الضّرورةْ

وظلَّ خريرنَا يعلوْ

****

ونطوفُ أحياناً، 

نفيضُ لأنّنَا ماءٌ بكارثيّةٍ أنَيقةْ

يبدأ احتقانُهَا، منذُ نُعومةِ أظافرِ الحيوانِ فينَا، 

ومحاولاتِ تقليمِها بمَباردِ المؤسّسةِ الأولى:

“الأسرةْ”

أبوينِ منهكي الأحلامِ، فارغِي الّلهاثِ من الجري الطّويلِ نحو لقمةِ السَّكِينةْ، ولا يَصلانْ

يبدأنِ، بحبٍّ لا شكَّ، تفريغَ القهرِ، قهرهمْ، فِينا

محاوِلينَ تحميلنَا أحلامَهمْ، ثمَّ قتلهَا، شيئاً فشيئاً، في دَواخِلنا

ليسترِيحوا من نَدمِهمْ، 

ولنصبحَ جاهزينَ لنرِثَ ثروةً من الخَسائرْ

****

ويعلو الخريرُ

تتكالبُ وحوشُ المناهجِ الدّراسيةِ علينا، 

تغرزُ الأعمدةِ “الأساسَ” في الأرضِ التي هيّأَ الأهلُ المرحلةَ الأولَى فِيها

ويَغيضُ ماؤنا في الأرضْ

إلى الغرفِ السّريةِ تحتَها، والتي تبدأُ في الطفولةِ، بغرفِ الجرذانِ، 

وتتطورُ شيئاً فشيئاً، لتنتهي بمسارحِ الشّنقِ في قلاعِ التّنكيلْ

****

غرفٌ جدرانٌ، غرفٌ جدرانٌ، غرفٌ جدرانٌ، غرفٌ جدرانٌ، 

إلى أن يصبحَ كلُّ منّا، ناطحةَ سحابٍ من الزنزاناتِ الممتلئةِ بأحلامٍ وخيالاتٍ تحتضرْ

تنتظرُ القتلَ الرّحيمَْ من آخرِ تقريرٍ تقيميٍّ لـ ” اضطراباتِنا النَفسية” و “لا منفَعتِنا للحظيرةْ”

****

ويزمجرُ الحيوانُ داخلَنا

تتكدّسُ المياهُ الجّوفيةْ

يختمرُ الغضبُ في رطوبةِ الـ ” تحتْ”

نعيشُ في الــ “تحتِ ” بسرّيَة،

تَحتُنا النفسيُّ والحُلمِيّ والحيوانيِّ،

نحفرُ خنادقَ تحتَ كلِّ مستعمراتِ الإسمنتِ، وننزُّ المَاءْ

نُحيلُ باطنَ الأرضِ إلى خبزٍ مبلّلْ

بانتظارِ الخسفِ المفاجئْ

لنخرجُ مرّةً أخرى، لا طوفاناً

بل مظاهرةً مليونيّةً من الينابيعَ الصغيرةْ

ومن أعمقِ آثارِ الجروحِ القديمةِ والحديثةِ التي خلّفها العمرانُ في جلدِ الأرضْ 

نرتكبُ الجريمةَ : 

التعبيرَ الأوّليَّ الأبسطَ والأصدقَ والأقصرَ للثورةِ ضدَّ كلِّ هَذا

****

الصورة من فيلم “beautiful mind” 

حين تُحاكمُ النّمطيةُ الخيالْ

http://www.qrtas.com/2015/12/17

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *