“سليم بركات” الطفلُ الذي كَسرَ جرّةَ اللّذة

 

“أيييه..كنّا أطفالاً”، مهما تآكَلتْنا التّجاعيدُ، تبقى تِلكَ الكَينونةُ شَهوةً نعودُ إليها كلَّ يومٍ، على الأقلِّ في تلكَ الّلحظاتِ القَليلةِ الدائخةْ، المسروقةِ قُبيلَ الغفوِ من الزّمنْ، تأتينا لمحةً تُوازي حياةً كاملةْ، تُشعلُ بعضَ الحرائقِ المستَحبّةْ، ثمَّ تَخمُدُ وتُخمدَنا.

فكيف بالحالمينَ الأرِقينَ، ممَّنْ ابتُلوا بلعنةِ الطّفولةِ في جميعِ دقائق حياتهمْ من المبدعين عموماً، والكتاب خصوصاً، الذين لم تفلحْ واقعيةُ الزّمنِ القاسيةِ من خَطِّ لمَسَاتها على مرآةِ روحهِمْ، لأنّهم خارجَ الزّمنْ، أو “لا زمنَ أسَاساً” كما يدّعونْ، فَراحوا يتبَخترونَ بنوستالجياهمُ الصّافيةْ، أمام عَكرِ حياتنا، وتَنَقُّلِنا المنهكِ في ذاكِ الجسدِ السّجنْ.

فالطفولةُ كمرحلةٍ عمريّةٍ، تعتبرُ خزيناً هائلاً –إن لم تكنْ الخزين الوحيد– لكثيرٍ من الكتّاب.

و رغم قِصرِ زمنها، تؤكدُ لنا حين نقرأها في كُتُبِ السّيرْ، أن لا زمنَ حقيقيّ نعيشهُ، إنما إسرافٌ مملٌّ للجسدْ، وهربٌ مستمرٌّ من ذاكَ الحنينِ إليها.

كثيرةٌ هي كتب السّيرة التي مرّتْ مرورَ “اللّئامِ”على سَاحَاتنا، لتُقيمَ حَواجزَ الشَّغبِ والتّوقِ فيها، ولا شكّ أن “السّيرتان، للشاعر والروائي السوري سليم بركات، والصادرة عن دار الجديد بتاريخ 1998 ، تعتبر واحدةً من تلك المصائدِ التي لا نشعرُ بفكّيها، إلا بعد أن تخترقَ نقيَّ الرّوحْ.

فَفيما يُشبهُ تأريخاً عَامَّاً للطُّفولةِ الفائحةِ من جسدِ الجغرافيا الشرقيّة السّوريّة، تتخلَّلهُ خصوصيّةٌ خجولةُ الشّكلْ، عميقةُ التّفاصيلْ، لطفولةِ “الكُرديّ”، يُوقعنا سليم بركات في “السّيرتَانْ”، بفخِّ النوستالجيا القاسيةِ إلى طفولةٍ تُشبهنا، تُشبهُ التماسَنا للدّهشةِ بين حوافِ حياةٍ محاطةٍ بالأسلاكِ الشَّائكةْ، أسلاكِ الكبارِ وألاعيبهمْ، وحُروبهم السَّخيفةْ، فترانا نحنُ الأطفالْ، نهربُ معهُ إلى بَراريه البكرْ، التي يُفرغُ فيها احتقان البوحِ المُحاطِ بذاكَ الخوفِ المبهمْ، نهربُ معهُ لننتقمَ من الوجودِ عامّةً، كحالةٍ محسوسةٍ وغير مدركةِ، لنتشفّى من الحياةْ والكائنات والبيت والأهل والمدرسة:

  • (واتّسعت البداية، واتّسعت الكراهية، واستفحلتِ العداوة بيننا وبين أمّنا، نهربُ من البيت كثيراً، وحين يسقطُ أحدنا في قبضتِها يغيبُ عن الوعي، كانت تضربُ بكلِّ ما يقع في يدها، أحجراً كان أم حديداً، ويسيلُ دمنا نحنُ الأطفال)

يُشرّحُ سليم بركات في كتابهْ، بعينِ الطّفل الرّجلْ، ارتطاماتِ “الكُرديّ” بواقعهِ، الذي أدركَ فيه باكراً ثنائيّةَ الاختلافِ والرعبِ، وقرأ الشرخَ الوجوديَّ الذي يلوحُ في أفقهِ الحتّميِّ:

  • (وتضيقُ الطفولةُ، وتضيقُ البدايةُ: بدأتُ أدرك شيئاً جديداً لم يكن بالحسبان، عنيفٌ وصارخ : أنتَ كرديّ،إنهم يكرهونكَ سلفاً ،ولا تدري لماذا ، المعلّمُ يكرَهكَ، ويكرهكَ موظفُ الدّولةِ والشّرطي. هذا شرطٌ جديدٌ، فلأكن عنيفاً أكثر، عنيفاً أكثر مما ينبغي تجاهَ هذا الاقتحامِ الشيطانيّ)

فيحاولُ بكلِّ عنفوانهِ وغضبهِ، تثبيتَ اللّحظةِ، المكانِ، الطَّيشْ، في خانةِ الحسِّ في ماقبلَ الإدراكِ المؤلمْ.

يحاولُ أنْ يعبَّ الحياةَ جميعها بجرعةٍ واحدةٍ يختزنُ فيها أكبرَ نكهةٍ ممكنةٍ من احتراقِ الذِّكرياتِ والصُّورْ، في جعبةِ لاوعيٍ بدأ شيئاً فشيئاً، بالسّيرِ بخُطى تستشيطُ ارتجافاً نحو وعيٍ آخذٍ بالصيرورةِ إلى الخوف الدّاجنْ، محارباً إيّاه بأقصى ما استطاعَ من بقايا الفعل الطّفولي:

  • ( كنّا نرى ذلك نحنُ الأطفال، ونقتسمُ العنفَ، نتخاطفهُ كما نتخاطفُ الحلوى المتّسخة من الأيدي المتّسخة، كنّا أطفالاً يا صاحبي، أطفالاً يحبّون وصف الحيوانات وهي تموت في بطء)

يغوصُ بركات بحواريةٍ زمنيّةٍ بين الحسّ والإدراكْ، بين الرائي(الحكيم)، والمتورطِ بالحدثْ، بحسٍّ رعويٍّ ناضجْ، تغلبُ عليه الشّعريّة القاسية للحياةِ واللغة، دونَ التّخلي عن مفردات وتشكيلات البيئة، والصورةِ البدويّةِ البكرْ:

  • (أنتِ ماذا يا بريفا؟ أنتِ طعنةٌ من الطّين. أنتِ خفقاتُ الطّينِ وقلبهُ الغُباريُّ الشّاردْ، أنتِ جناحُ القرى يا بريفا، يا سحابةً غبراءَ ناحلةً تلمسُ الأرضَ في خجلٍ، وتتكوّمُ بيتاً بيتاً حولَ نبعٍ خفيٍّ منَ الغبارِ والتّعبْ)

تأخذنا السّيرتان، بتكتيكٍ سحريٍّ، تتراءى فيه تلكِ القسوةُ الشاسعةُ الفضاءات، كهفاً جميلاً بَسيطاً، يوصلنا بحبل الحنينِ إلى سُرّتهْ، ليوجّهنا باقتدارٍ خلّابْ، مخاطباً الطّفلَ المرتجف في أقصى زوايا لاوعينا وأشدّها تشويشاَ وظلمةْ:

  • (لا تصغوا إلى أحدٍ، لا تناموا، ارفعوا الغطاءَ في نزقٍ وانزلوا عن أسرّتكم ، هاربين من البابْ، لا تقلقوا حين تصبحونَ خارجاً، فالظلامُ لا يخيفُ، بل يُخيفُ النّهارْ)
  • في السّيرتان، نشعرُ ملياً بذاكَ الانزياحِ الجغرافيّ في خارطةِ أزمنتنا وذاكرتنا، لنقفَ -في مكانِ ما من ذاك التّيه الموجّه– بعريِّ الرّوح الفاضحْ، وقد انفضّتْ من حولها خيوطُ الجسدِ الذي روّضَ يوماً بعد يوم، حتى انتهى عدداً عادياَ في تفقّدِ الحياة الصّباحي:
  • (لقد تذكّرنا بعدَ أيّام الصخبِ تلكَ، رنينَ أصواتنا، وأنّنا قادرونَ – كمخلوقاتٍ من مخلوقاتِ الطّبيعةِ – على العواءِ، والعويلِ، والتَّمتمةِ والضحكْ)

ننقادُ سُعداءَ فوقَ شوكِ العودةِ الوعرةْ، كانزِلاقِ لا مَفرَّ مِنهُ، عندَ حافةِ الوصولُ الوَهميّْ، لنتَدَحرجَ كرةَ ثلجٍ، تَصدمُ جذوعَ النُّزولِ تِباعاً، لتتقشّرَ وتصغُرَ تَدريجياً، نحوَ حبّةِ اللؤلؤِ النَائمةِ في محارةِ البَدءْ، هناكَ تماماً، نُحسُّ بأخوّةِ الشّمسِ الحقيقةْ، الشّمسِ المتاحةْ، الأرض المتاحةْ، الدّهشةِ المتاحةْ، في طبقاتِ الطّفولةِ المطعونةِ بخناجرِ اللّعبِ:

  • (سنخطّطُ لإنقلاباتٍ تُحيلُ البغلَ الهادئَ إلى نمرٍ: ضَعوا في مؤخرتِهِ بعضَ النّشادرِ وسترَونْ. سنُخطّطُ لحرائقَ نُشعلها نحنُ، وسندلُقٌ المحابرَ على ثيابنا التي نكرَهُها ليشتري آباؤنا غيرها)

لكنّ سليم بركات -متعمّداً أو مأخوذاً أو وفيّاً لقهرٍ حقيقيٍّ بالضَّرورةْ– حينَ يُصرّحُ بكرديّة الطِّفلِ محورِ الكتاب، يَتخَلخلُ على مَطبِّ الانتماءِ والتَّصريحْ، يَسلخُ القصّة عن الجغرافيا، لِصالح القومية، يكسرُ قربةَ اللذّة الّتي كانتْ مُتاحةً لكافّةِ أبنائِها لِيشرَبوا مِنها حليبَ طُفولتهمْ الصَّافي، من عَربٍ وكردٍ وآشورَ وسريانَ وغيرهم من أبناءِ المنطقة، أو من أبناءِ جغرافياتٍ متشابهةٍ من العالم، ليجَيّرها كأسَاً خاصّةً بالكُردْ.

لتصبحَ السّيرتان، طفولةَ قوميةٍ، سيحبّها (بالضرورة) كردٌ عاشوا طفولتهم في مدنٍ حداثوية، وجغرافياتٍ متَضادَّة، بعدَ أن كانتْ طفولةَ جُغرافيا وبيئةْ، تجتذبُ: أبنَائها (بحنينٍ تمترج فيه السعادة مع الألم) ،وأبناءَ البيئاتِ المغايرةِ (بفضولٍ تمتزجُ فيه الرغبةُ مع التَّردّدْ).  

 

http://alarab.co.uk/article/search/52962/

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *