بَرْزَخ

الغازات المسيلة للدّموع..

يا لشعريّة الاسم!

أن تعطي الاختناق سمة الوداع، تلقائية التّفاعل مع الموت، تعبير السّعادة.

ويبدأ الصّراخ فجأة: “غاز غاز غاز غاز”، تركض كالمجنون، كالممسوس، كنوبة صَرَع مُختلّة، تزبد من كل مسامك، تسعل، يسيل مخاطك، ترشح ذكرياتك أمام عينيك، تشقّ ثيابك، تفتح بأظافرك صدرك، تفرك رئتيك، تتخبّط في الأرض، تلبط، تحاول أن تمسك نفسا واحدا، تعجز، “لا فائدة”.

تهدأ قليلاً، تسلم نفسك لموتٍ كنت تتخيّله الأصعب، لكنّك عبرته توّاً بسهولة، تغفو قليلاً، تبدأ خيالات الموت بالظهور، اللعنة، بعد قليلٍ سيأتي الملكان ليسألاك تلك الأسئلة المهزلة، تبتسم بسخرية، تسخر من نفسك، تحاول أن تتذكّر الأجوبة، لا تسعفك الذاكرة، أو ترفض ذلك في قرارة لا وعيك، تسرح في ملكوت الموت، “اقتربت السّاعة وانشقّ القمر”، مهلاً، مهلاً، كان الوقت صباحاً حين غفوت، تطمئنّ لوهلةٍ بأنك لا تحتضر، تفكّر “آه ما أغباني”، إنّه مجاز الإعجاز، “هي السّاعة إذا”، تتصارع كلّ حواسك في جسد هامد، تتلاكم مع صور وخيالات مبهمة، تقاوم بالرّوح الإغفاء، تتعب، تستسلم، تنقاد للذة الغفو النهائيّ، يصبح كادرك الدّاخليّ الحالم أسْوداً، ينتظر كلمة “النهاية” لتظهر على شاشة خيالك، وفجأة تصحو على هزّ عنيفٍ ورائحة الخلّ، وأفواهٍ تصطنع النّفس فوق شفتيك، رجالٌ كُثرٌ يتناوبون عليك، كأنك في طقس اغتصابٍ جماعيّ، “لا يغتصبون الخطأة في جهنم”، أنت حيّ إذاً، مازلت حيّاً، يبدأ هواء أقل دموعاً بالدخول إلى قصبات صدرك المحتقنة، يبدو المكان مموّهاً بسطوة الماء المالح، ترى أشباحاً يرمونك بالماء، عيناك تنزّ ماء، كل ما حولك ماء، “هل تغرق الآن على الأرض”، تتذوق الفلفل بحدقتي عينيك، تسبّ الفلفل، تكره كلّ النّكهات، تجنّ، تشعر أنّ لك أنفين مكان العينين، وعينا فوق الفمّ، ترتبك حواسك، تختلط، ورويداً رويداً، يعود الضوء إلى مدى رؤيتك المشوّش، تلتقط اتّزان المكان، تستعيد وعيك، ترتّب حواسك، تنهض، تُهنَّأ بالنّجاة، تنظّم أنفاسك قليلاً، تسمع قلبك خارجك يدقّ، تراه أمامك بحجم قبضة، محارباً شرساً أنجاك وأنجاه، تبتسمان لبعض ثم يعود إليك، يسترخي، ينبض، وما هي إلا برهةٌ صغيرة حتى ينطلق الصّراخ مجدّداً “غاز غاز غاز غاز رْكضو هْربو”، تتأهّب، تشدّ ساقيك، تتفقد قلبك، تأخذ نفساً طويلاً، تهمّ الركض، لكنك تقف مكانك، بشهوةٍ غامضة، توقٍ أحمقٍ لتعيد الكرّة، تسلم نفسك لمذاق الفلفل، يدخل من كل مسامك، تتذوقه بمتعة، أصنافاً مما لذّ وطاب، تمتلك اختناقك هذه المرّة، تبحر فيه، تتوقع ما ستمرّ به، لكنك تمتصّه أكثر.

تستلقي فوق الأرض، تترك الجسد يتعارك مع الغاز، وتسرح متبختراً في ذاك البرزخ، لطالما أغراك الاسم “برزخ”، لا تهتمّ كثيراً إن كنت ستصحو هذه المرّة أم ستموت، كلّ ما يهمك الآن المتعة، متعة أن تتمشّى في عالم لا يحوي أحداً غيرك، مكانٍ بين عالمين، وطن أنت مواطنه الأوحد، لاشكّ أن ذلك أكبر مما حلمت به يوماً.

 

http://www.alarab.co.uk/?id=59658

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *