عن أنّنا مِزقاتٌ صغيرةٌ من الألم

Photo by: James Nachtwey

عن أنّنا نقتلُ، معنويّاً أو حرفيّاً، من يحبُّون العيشَ دونَ اكتراثٍ بمفردات وأسئلةِ “الآخرة” أو أيِّ شكلٍ آخرٍ، متخَيّلٍ، لحياةٍ، فيما بعد الموتْ
وبذاتِ الوقتِ نُرغِمُ على الحياةِ، نحاولِ إنقاذَ، نُثني عن.. إلخ إلخ
من يتقبّلً الموتَ، يسيرُ إليه، يُقرّره عقلياً، أو جسدهُ يقرّرهُ، بالاكتفاءِ، بالإنطفاءْ
نريدُ أن نُعالجَ، أن نُحيي، أن نُطيلَ
أن لا نسمحَ لأحدٍ بأن يزلزلَ جبلَ الوهمِ الذي مُذْ صغاراً نكونُ، يبدأون ببناءهِ، الكبارُ، ثمَّ نحنُ بكلٍّ “تَفَانٍ”، نتولّى الوصولَ به إلى أعلى القممْ
“الخلودْ”

*)*

عن أنّني، أقرُّ، ومنذُ وقتٍ قريبٍ، بَدأَتْ، ذاتيّاً، بالانقطاعِ، تلكَ الخطوطُ الواهيةُ التي تًمسكُني بالحياةْ
أنّني عبرتُ الثانيةَ والثلاثينَ، ويًرعبني التفكيرُ بالعيشِ ( كي لا أبالغَ وأقولَ حتّى الغد)، حتىّ الأربعين مثلاً
عن سبعِ سنواتٍ ونيّف، من الصّحوِ رغماً، والنومِ قِراعَاً،
من البحثِ عن فتفوتةِ وهمٍ للعيشِ من أجلها،
عن ظلِّ ابتسامةٍ من القلب على الشفاه ولو للحظةْ

*(*

عن ستةٍ وسبعينَ شهراً،
ثلاثمائةٍ وتسعينَ أسبوعاً،
ألفينِ وسبعمائةٍ وثلاثينَ يوماً
خمسٍ وستينَ ألفٍ، وخمسمائةٍ وعشرينَ، ساعةً
ثلاثةِ ملايينَ وتسعمائةِ وواحدٍ وثلاثينَ ألفٍ ومائتينِ، ثانيةً
مائتين وخمسٍ وثلاثينَ مليونٍ، وثمانِ مائةٍ واثنينِ وسبعينَ ألفِ، لحظةٍ، تفصلني فقط عن الأربعينْ
وكلّ لحظةْ
شظيّةٌ تشقُّ باحترافٍ ميكروناً مربّعاً من القلبْ

*)*

عن أنَّها الحياةُ سرطانٌ بطيءٌ مركزهُ، وحدوده القلبْ
كلّ لحظةٍ يبيدُ منه، خليةً،
ميكروناً مربّعاً،
وأنّ هناكَ، في وسطِ كلِّ هذا الخرابِ الأنيقِ، الحبّ
من يحبّونكْ
يحبوّنكَ حتّى مع حقيقةِ الشعورِ بزوالكَ القريبِ

*(*

ماذا يجري تحديداً؟
أقصدً
ما كمّ الخراب والعفونةِ والاهتراءِ الذي يمكن أن نراهُ، إذا ما أستطعناً افتراضياً، أن نُخرجَ من جسمِ من يحيا حتّى الثمانين مثلاً،
مادّة مرئيةّ اسمها الذاتُ، أو حتّى بقايا أحفوريّةً لها؟

*)*

عن أنّنا مِزقاتٌ صغيرةٌ من الألم، نتواجدُ في هذا الفراغِ الكبير المدعو الكونْ؛
وهناكَ الشجرُ، رغمَ كلِّ هذاَ، قبلَ كلِّ هذا
ونمرٌ يستلقي كلَّ يومٍ بعد وجبةِ صيدٍ دسمةٍ تحت ظلّهِا، الأشجارْ
عصافيرٌ على الأغصانِ
نحلٌ
غبارٌ طلعٍ
خلايا
يخضور
وإعجاز التّركيب الضوئي
عنَّ أن هناكَ حقّأً كائناتٌ تتنفّسُ كربونَ جميعِ الكائناتِ الأخرى، وتعطيها، الحياة، الأوكسجينْ
وأنّنا كبشرٍ، لم نكتفِ بأنّ تنفُّسَنا فقط (كسبع مليارات كائن بشريٍّ) هو المصدرُ الأولُ لانعدامِ التّوازن النسبيّ بين الكربون والأوكسجين في كونِ ما داخلِ الغلاف الجويّ
بل كلّ يومٍ نقطعُ الآلافَ منها، لنزرعَ الأرضَ بمصدّرات الكربونْ
معامل، مدافئ، سيارات، قنابل، حرائق، حروب، مفاعلاتٍ .. إلخ
وبكلِّ جدّيةٍ نمنع التدخينَ في الأمكان المغلقة، حرصاً على سلامة رئتيّ الغير مدخّنين.

*(*

عن أنّها الأشجارُ، وحدها، الكائناتُ الحيّة التي لا تموتُ نهائيّاً إلا بفعلٍ، خللٍ، خارجٍ عن منظومةِ الطبيعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *