……..

هذا ليس ملجأً اعتياديّاً أو شارعاً للمتسولين أو المشردين،
هذا قطارٌ، وليس مهجوراً، لنقلِ الرّكابْ
حيٌّ ويعملْ
ينقلُ أناساً، لا يهمّ كثيراً السؤال، من أين وإلى أين؟
بل المهمّ هو ما يستفزّ الخيال إلى التساؤلِ:
“إذا كانت هذه وسيلةٌ لنقلِ البشر، ولن أقول “طبقةً” من البشر، لأنّه يكفي أن تنقلَ بشرياً واحداً فقط، لنشعرَ جرّاء ذلك، بالعارِ، كجنسٍ كامل”
أقولُ “إذا كانت هذه وسيلةٌ لنقل البشر، ويفترض فيها رفاهُ أنّك لست مضطراً للمشي إلى مكان ذهابك، فكيف إذاً هي مساكنهم !!”
وبديهيٌّ هنا ربط شكلِ ونوعِ وسيلة النقل، بشكلِ المسكن، كبداهةِ رَبطِ من يتنقّل بين بيته وعمله بمروحيةٍ خاصّةٍ، مثلاً، بأنّ بيته ومكان عمله كبيرٌ بما يكفي لكي لا يكون مزعجاً هبوط مروحيّةٍ فيه.
ومن ثمّ بديهيٌّ العودة إلى أنَّ هؤلاء، لا أحد يراهم، إلا هم ربّما يرون بعضهم البعض ويرون الآخرين؛
لأنّ “المرفّهين” لا يرون أحداً من حيث المبدأ سوى أنفسهم، وإن رأوا آخرين، فكدرجةِ سلّمٍ نحو “أكثر”، أو كأيادٍ تقبيلها يُوصل نحو ذاك الــ “أكثر”.
و”متوسطو الحال”، هم إمّا كانوا كذلك، أو يخشون أن يصيروا كذلك؛
هم، بطبيعة الحال ومهما كان مريراً عليهم، فقط، سينظرون بتلهّفٍ وشوقٍ، نحو تلك السلالم، أو الأيادي.
وببطءٍ سيبدأون بنسجِ العلاقة معها.

****

لاشكَّ، أننا وصلنا إلى مكانٍ، لم يعد فيه شيءٌ اسمهُ “الطبقة المتوسّطة”، إنّما غالبيةٌ فقراء، وقلّةٌ أخرى تتوزّع بين معدمينَ، وأغنياء.
ولا شكَّ بالتالي، أن الحكومات والسلطات، لا تسطيعُ البقاء إذا لم تحافظ على طبقةٍ مُعدمةٍ، يُخشى البقاء فيها، أو الوصول إليها، من قبل “متوسطي الحال” (الذين هم الفقراء الغالبية)، والذين كيفما حاولوا سيكونون، من غير وعيٍ، مدفوعين بمخاوفهم الحقّة، سيكونون مع السلطة، ولو ببعضِ الشروط المتعلقةِ بوضعهم المعيشيّ.
أمّا المُعدمونَ المقهورونَ،
هُم دائماً ميّالون للحريّة، لإسقاط أيّ حكومة.
لأنّهم وعلى تعاقبِ التاريخ والحكومات، لم يتغيّر شيء من أوضاعِهم، إلا ربّما البعضِ منهم، وكان على حساب البدءِ ببيع الكرامة تقسطياً، دفعةً بعد دفعة.
هم، المُعدمون، يعلمون أنّ العدَاء بينهم وبين أي حكومة، طبيعيّ، وجوديّ، غريزيّ.
عداءُ أنّك إما قائمٌ تماماً وثابتٌ في مكانك، بناء على ثباتي في وضعي، أو صاعدٌ نحو الأعلى، شيئاً فشيئاً، على حساب نزولي أكثر إلى الأسفل.
ذاك الأسفل الذي سيصل عاجلاً أم آجلاً إلى درجةٍ لا أسفل تحتها، عندها، وحين الصاعدونَ يتحركون نحو درجة أعلى، يبدأ الدّهسْ
وعند هذه المرحلةِ تحديداً تُولد الثورة، للكرامة لا للخبز، للعداء مع السلطة كمفهومٍ، لا لنهب الأغنياء بالأيدي.
لأن المُعدمَ وحتّى ولو لم يختر شكل حياته، فإنه بشكلٍ أو بآخرَ، كان جزءٌ من بقائه على وضعه، قراراً ذاتيّاً، انتصاراً لحرّيته وكرامته، على حسابِ “لقمةِ العيش”.

****

هو العدم، صفرٌ، حين يتخلخلُ، يمتدّ ببطءٍ إلى اتجاهين متعاكسين “سالبٍ وموجب”، فيبدأ الوجود بالتجلّي، طفلاً جميلاً، متنوعاً مختلفاً، دون فداحةٍ في الاختلاف والتنوّع إلى درجةِ أن يصبح هناك حيٌّ ومُعدمْ.
لكنّه، ذاك الامتداد الإطرادي للوجود في كِلا الاتجاهين، عندما يصل إلى شدٍّ كثيرٍ للصفر، يتهدّدُ بشقّه نصفين، وهو المنشأ، الممسكُ بزمامِ الوجودِ،
يصبح الاتجاهان يسيران، نحو اللانهاية،
نحو اللاوجود واللاعدم، الفراغِ الخاوي
وهنا تكون الثورة، كيفما شكلها، محاولةً دائمةً للدفاع عن الوجود من خلال أبناء العدم أنفسهم.
هؤلاء الذين يراهم فقط رسول العدم الوحيد؛
الفنّ

****

هامشٌ واقعيّ:
هذا القطار، ورغمَ كل البؤس المحمولِ فيه، يضجُّ، كما هو جليٌّ في الصورة، حياةً، أكثرَ بما لا يُقاسُ، مما قد نراهُ في جناح “VIP” في طائرةٍ لنقل الركاب، حيث الجميع فقط نائمٌ، أو يعمل أو حبيسٌ في إحدى غرف وسائل الاتصال او التواصل.
بينما كلّ من في القطار يتواصلون حسيّاً وجسدياً، ويمكن بسهولةٍ إمساكُ جوٍّ من الطمأنينةِ يشعُّ بينهم، إلّا واحدٌ منهم، ربما ينزوي مع هاتفه النّقال، ليكسرَ ثقلَ وحدتهِ خلال الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *