قشٌّ، وبحّارة

عن البردِ الذي يَصنعُ صواعدَ ونوازلَ في بُطيناتِ القلبْ، في الرّئتينْ، في البُلعومْ
حتّى كأنّ الجسدَ كاملاً، يصبحُ غيمةً متجمّدة

*)*

عن الحرّ الذي نتعرّقُ منهُ بدلَ الماءِ، دمْ.

*(*

عن الحيواناتِ التي ستنقرِضْ
لنبدأَ بِسلْخِ جُلودِ بَعضِنَا البعضْ
والاعتيادِ منذُ الآنَ على اللّحمِ البشريّ.

*)*

عن الأشجارِِ التي ستغادرُ اليابسةَ لتَحيا في السماءْ 
حُلمَ صحراءٍ، طائراتِ ورقٍ، تسقطُ فَقطْ بالاحتراقْ.

*(*

عن الجبالِ التي ستغوصُ في الأرضْ
ليصبحَ مدى الرؤيةْ مجرّدَ سطحٍ هائلٍ منَ الـ “هناكْ”، من الــ “لا هُنا”
يمتدُّ بلا جدوى، بلا نتوءٍ، بلا حميميّةٍ، في جميعِ الجهاتْ.

*)*

عن أعمدةِ الإنارةِ التي ستصبحُ جَميعها مشانقْ
نتدلّى منها كنوّاسٍ يحاولُ أن يلحقَ الضّوءْ.

*(*
عن البقايا، كلِّ بقايا النّهارْ 
كيفَ في الشّوارع الفارغةِ، ليلاً، تدبُّ فيها الحياةُ، تركضُ مع الهواءْ.

*)*

عن الفاكهةِ التي حينَ تنضجُ، قبلَ أنْ تُعصَرَ، تَهترئْ
تنزُّ بدلَ الخمر، بكاءْ.

*(*

عن القشِّ الذي حتّى وهو يَحترقُ يدافعُ عن التّكسُّرْ
لا بِوصفهِ صوتاً أو حالةْ
إنمّا بِكونِه فلسفةً، وجوداً، صُراخْ.

*)*

عن رائحةِ روثِ البَقرياتْ
إذْ تُحِيلها رطوبةُ الصّباحِ عِطراً، تعرفُ كيف بهِ التُّربةِ تنتشلُ الفلّاحَ من النّومْ
تَجرّهُ من مِنْخَرَيهِ الغوايةْ – الرّائحةْ

*(*

آهٍ منَ الرّائحةْ
آهٍ على الرّائحةْ
آهٍ إنّها الرّائحةْ
آهٍ هي الرّائحةْ
الفَوَحَانْ
التّواصلُ الخامُ النّقيّ البريءُ مع كلّ شيءْ
إنّها لتكادُ أن تكونَ كلَ شيءْ
أنَ تكونَ الــ “شيءْ” ذاتَهْ.

*)*

عن النّداءِ الخفيّ الذي تُطلقهُ الشّمسُ عندَ الشّفقْ
كيفَ الطبيعةُ كلّها تدخلُ غَيبوبةَ مُوسيقا جنازةِ الّليلْ:
زَقزقة، عِواء، خِوار، نَعيق، نَعيب، صِياح، زَئير، صَهيل، فَحيح، صَرْصرة، رَقْرقة، طَنين، هَسْهَسْةْ؛
حفيفْ، حين الأشجارُ ترتَعشُ نَدى، من شِدّة هذا الجَمالِ المُوجِع للقلبْ 
ثمّ كيفَ كلًّ هذا يَختفي، عندَ أولِ صوتِ مُحرِّكٍ يَجعرُ، لأوّلِ بشريٍّ يستيقظُ، ظَانّاً أنّه المَلكوتُ لكلّ هذا؛ 
عن تلكَ الأصواتِ-الشّذوذْ: الكلام، اللّغة، العويل، الأزيز؛
الضّجيجِ بوصفهِ الصوتَ الحقيقيَّ للبشرْ
والدمِ بكونهِ الرّائحةَ-الأثرَ الوحيدَ لمنطقةِ تواجدهمْ.

*(*

عن القصصِ الحقيقيّة، الأحلامِ الحقيقيّة، الخيالاتِ الحقيقيّة، الكلماتِ الحقيقيّة، الأحزانِ الحقيقيّة، الضَّحكاتِ الحقيقيّةْ 
آهاتِ اللّذةِ الحقيقيّة، الموسميّة، التي قد تمرُّ سنواتٌ قبلَ أن يُطلقَها على عَجْلٍ، في زقاقٍ مُظلمٍ، قربُ مرفَئٍ مَهجورٍ، البحّارَةْ
عنهم، البحَّارةْ
حَيواتِهمْ الحقيقيةْ
المدفونةِ هناكَ بين حُطامِ السُّفن الخشبيةْ
في أعمقِ قِيعانِ الماءْ
التي فقطِ الحيتانُ تعرفُها، تُردّدُها، تَرويها على مرِّ الطبيعةِ، عبر الـلّازمنْ 
حينَ الخشبُ، حتّى في كتيمِ الماءِ، يدافعُ أيضاً عن التّكسُّرْ 
يدافعُ عن الأشجارِ كـ “مفهومٍ، ديمومةٍ، ثِيم” كجُزيئاتٍ حيّةٍ لا تموتُ
قشّاً يحترق، أو خشبَاً لا يكفُّ عن محاولاتٍ الطّفْوِ لو بعدَ آلافِ القرونِ من الغرقْ 
لا يكفُّ عن التّكسّرْ
أغنيةً تدومُ إلى الأبدْ
على لسان الحيتان.

*)*

عن الكُريّاتِ البيضِ، دفاعاتِ الطّبيعةِ فينا
كيفَ شيئاً فشيئاً تنقرضُ على يدِ الأدويةْ
لنستحيلَ آلاتٍ يطولُ عمرهُا بفعلِ الصناعةْ.

*(*

عن كيفَ الخشبُ يعرفُ حتّى في الزّمهريرِ أن يصونَ أغنيةَ الدّفءْ
لأنّهُ سليلُ أوّلِ الحبّْ 
سَليلُ الشّجرْ.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *