يوتوبيا

ولّتْ الأيّام، جميعُها، بِكُلّ من فيها، بكُلّ ما فيها،
لم يبقَ من أثرٍ على أنّها موجودةٌ كانتْ
إلا دَعسُ خطواتٍ ترتبكُ بينِ الانتظارِ الأخيرِ، والذّاكرة،
يَدكُّ صَداها، بينَ إغفاءةٍ واسْتفَاقةٍ،
صمتُ ليلْ
إذْ ذاكَ الكهلُ الوحيدُ الذي لا يُوَلِّي،
وإنْ،
فلبرهةٍ تَنتهي قُبيلَ نِسيانِه،
الموت؛
إذْ يحنُّ إلى بعضِ الصّحبةَ، يعودُ مُتبخْتراً بأنّه الخالدُ الأوحدْ
يمتصُّ رفيقَ وحدةٍ جديدٍ
وقوداً لطريقهِ الذي لا ينتهي.

*)*

ولّتِ الأيّامُ
تلكَ،
لمّا كانَ الكونُ مقلوباً رأساً على عَقبْ
يستيقظُ على عواءِ الذّئابْ
يغفو إذْ تَعطسُ العصافيرُ من فتحاتِ مناقيرها الشّمسَ
بأصواتٍ اتفقنا على أنْ نُسمّيها زَقزقةْ

*(*

تلكْ؛
حينَ النّهرُ
لم يكنْ يسألُ الصّيادَ “ماذا جئتَ تفعل!!”
كانَ يكفيهِ ذاكَ الحكُّ اللطيفُ للطّعمِ بينَ خُصلاتِ ماءهْ
ليفتحَُ قلبه للصّياد ويبوحَ له عن أنواعِ وأمْكِنة كلَّ ما فيهِ من سَمكْ
واذْ يلسعُ ذوبانُ الثلوجِ جلده؛
لا يهتاجُ على حقولٍ سَقاها العرقُ حيناً،
والدّم النّازفُ من قَبْضِ المعاولُ، احياناً،
إنّما، يصبحُ أكثرَ زرقةً
وشفافيةْ
حتّى لتكادُ ترى القاعَ إذْ فقط تُغطِّسُ، بمقدارِ ما يغمرُ العينين، تحت زبدهِ، وجهكْ
تختبرُ حرفيّاً ما الذي كانتْ تعنيهِ يوماً لفظةً “انتعاش”

*)*

تلك الأيّامْ
لمّا كانتِ الحُبلى تلدُ في الحقلْ
وتقطعُ بذاتِ المنجلِ الذي تُقلّم به أظافرِ السّنابل، حَبلهَا السّريّ
تاركةً الرّضيعَ، ريثما تُنهي يوماً من الحصادِ، يتنفّسُ الكونْ
ينسجُ أولَّ ذاكرةٍ حسيٍّة لهُ عنه،
من رائحة الأرض.
/أصدِّق أنْ يومَها كنّا نخرجُ إلى زُرقةِ الوجودِ ضاحكينَ
بعدَ بكاءٍ طويلٍ في عتمةِ العدمْ/

*(*

وَلَّى من فمي، قلبي،
وأنا مُغْلِقه،
وعلى أسناني أكزُّ،
كَسرهَا كثورٍ هائجٍ يُهشّمُ بابَ حَظيرتهْ
رُغم أنّي لم أكنْ هائجاً حينها،
كنتُ، ربّما، حزيناً، مقهوراً، أكثرَ بقليلٍ من المعتادِ فقطْ
سخرتُ من نفسي:
/أليسَ هذانِ الــ “أكثرَ بقليلٍ من المعتادِ فقطْ”
همًا مِحراكَا الثورة، كلّ ثورةْ/

أطلقتُ عليهِ النارَ، قلبي،
أوليسَ “في كلّ إنسان ينام نبيٌّ، عندما يستيقظ، يكون الشرّ قد زاد قليلاً في العالم”* ؟
ألسنَا حين يَجِدُّ الجدُّ،
عملةً موحَّدةً بوجهِي جلادٍ وضحية!
عقلٌ وقلبْ
أليس الفنّ مولوداً ممّن تقفُ عُملَتهُ على أطرافِ أصابعها،
ترقصُ رقصةَ الـ “لا انتصار” لأيّ من وجُوهها،
إنمّا تناغمٌ حينَ يشتدُّ تواترُ دورانهُ،
تَرى وجهَي العملةِ متداخلينِ معاً،
كيفما دارتْ
أينما نظرتَ
/ذاك أيضاً قد يكونُ تعريفاً جماليّاً للأبديّةْ
أعني أبديّة كل لحظةٍ بانبلاجِها وفنائِها في ذاتِ اللحظةْ
في ذاتِها، اللحظةْ
ولا أعني أبديّةَ الديمومةْ/

*(*

الألمُ لا يأتي من القلبِ، لا،
بلْ إذْ ترى قلباً يتأوّه من الألمْ
ولا تستطيعُ التّقلّصَ لتعبُرَ إليهِ،
تستلقي إلى جانبهِ، تحضنهُ،
ثم تُمسح برفقٍ على راْسهِ، تهمسُ بأنفاسكِ الحارّة في أذنيهِ أنْ “لا بأس، قريباً سيتوقّفُ كلُّ ذلك تماماً، إذْ فقط تتصالحُ مع حقيقةِ أنّكَ لا تنبضُ الحياةَ كما أخبروكَ، وبطيبتكِ الرقيقةِ، صدّقتْ
إنّما فقط تنتفضُ ألماً،
تلبطُ الموتَ كخيلٍ مذبوحةٍ، ولا تموتْ
لكنْ، لا بأس، كلّ هذا سيتوقفُ، حينَ تُقرّر أخيراً أن تتوقّفْ”

الألمُ هو القلبْ

*)*

هامش: “في كلّ إنسان ينام نبيٌّ، عندما يستيقظ، يكون الشرّ قد زاد قليلاً في العالم” الجملة للكاتب أميل سيوران

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *